تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
القول الثالث وهو معتمد كثير من علماء التفسير ، أن المراد من الكرسي « السلطان » و « القدرة » فيكون المعنى : أحاط قدرته السماوات والأرض . أو « الملك » تسمية للشيء باسم محله ومكانه ، لأن كلّا من هذه المصادر قد يستعمل مبنيّا للمفعول فيكون صفة له ، ثم يقال تارة : الإلهيّة لا تحصل إلا بالقدرة والخلق والإيجاد ، والعرب يسمى الملك بالكرسي ، لأن الملك يجلس على الكرسي ، فسمّى الملك باسم مكان الملك . فهذه جملة من الأقوال ، المنقولة عن العلماء النظّار ، المتفكرين في كتاب اللّه بقوة الأفكار ، السائرين على أحد المنهجين إلى نيل نتائج الأنظار . ثم لا يخفى على من له تفقّه في الغرض المقصود من الإرسال والإنزال أن مسلك الظاهريين ، الراكنين إلى إبقاء صور الألفاظ وأوائل المفهومات أشبه من طريقة المأوّلين بالتحقيق ، وأبعد من التصريف والتحريف ؛ وذلك لأن ما فهموه من أوائل المفهومات هي قوالب الحقائق التي هي مراد اللّه ومراد رسوله . وأما التحقيق فهو مما يستمدّ ويستنبط من بحر عظيم من علوم المكاشفات لا يغني عنه ظاهر التفسير ، بل لعلّ الإنسان لو أنفق عمره في استكشاف أسرار هذا المعنى وما يرتبط بمقدماته ولواحقه لكان قليلا ، بل لا نقطع عمره قبل استيفاء جميع لواحقه ، وما من كلمة من القرآن إلا وتحقيقها يحوج إلى مثل ذلك ، وإنما ينكشف للعلماء الراسخين في العلم من أسراره وأغواره بقدر غزارة علومهم وصفاء قلوبهم ، وتوفّر دواعيهم على التدبّر وتجرّدهم للطلب ويكون لكل عالم منهم حظّ - نقص أو كمل - ولكلّ مجتهد ذوق - كثر