ثمّ إنّ الذوق الصحيح من الفطرة السليمة شاهد بأنّ متشابهات القرآن ليس المراد بها مقصورا على مجرد أمور جسمانية يعرف كنهها كلّ أحد من الأعراب والبدويّين وعموم الخلق ، وإن كان قشور من تلك الأمور ممّا لكل أحد منهم نصيب منها ، وليس المراد أيضا مجرّد تصوير وتمثيل يعلمه كل من له قوّة التمييز في الأنظار ، ويفهمه كلّ من يتصرّف بعقله في الأفكار بحسب استعمال الصناعة المنطقية في الأبحاث من غير مراجعة إلى سلوك سبيل اللّه ومكاشفة الأسرار ومعاينة الأنوار ، وإلا لما قال تعالى في باب المتشابه من القرآن :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
[ 3 / 7 ] ولما قال في الغامض منه :
لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ
[ 4 / 83 ] ولما
دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في حقّ أمير المؤمنين عليه السّلام بقوله : « اللهمّ فقهّه في الدين وعلّمه التأويل »
فإن كان علم التأويل أمرا حاصلا بمجرد الذكاء الفطري أو المكتسب بطريق القواعد العقلية المتعارفة بين العقلاء لما كان أمرا خطيرا وخطبا عظيما ، حيث استدعاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بالدعاء من اللّه تعالى لأحبّ خلقه إليه ، وهو علي عليه السّلام .
وممّا يدل على أن أسرار التنزيل والإنزال أجلّ شأنا مما يعلم بقوّة تفكّر مثل القفّال وغيره من آحاد المتكلّمين وأهل الاعتزال ، ما
رواه الشيخ الجليل أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني « 1 » - بسنده المتصل إلى أبي بصير - عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال : « نحن الراسخون في العلم ، ونحن نعلم تأويله » .
و
في رواية أخرى عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام « 2 » قال : « الراسخون في العلم أمير المؤمنين والأئمة من بعده عليهم السّلام » .
هامش
( 1 ، 2 ) الكافي : كتاب الحجة ، باب ان الراسخين في العلم هم الأئمة ( ع ) :
1 / 213 .