تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
ومن المنهج الثاني أقوال ثلاثة : القول الأول ما اختاره القفّال ، وهو أن المقصود من هذا الكلام تصوير عظمة اللّه وكبريائه . وتقريره أنه تعالى خاطب عباده في تعريف ذاته وصفاته بما اعتادوه في ملوكهم وعظمائهم ، فمن ذلك أنّه جعل الكعبة بيتا له يطوف الناس به كما يطوفون ببيوت ملوكهم ، وأمر الناس بزيارته كما يزور الناس بيوت ملوكهم وذكر في حجر الأسود « إنّه يمين اللّه في أرضه » ثم جعل موضعا للتقبيل كما يقبّل الناس أيدي ملوكهم ، وكذلك ما ذكر في محاسبته العباد يوم القيامة من حضور الملائكة والنبيّين والشهداء ووضع الموازين ، فعلى هذا القياس أثبت لنفسه عرشا فقال :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[ 20 / 5 ] ثمّ وصف
عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ
[ 11 / 7 ] ثمّ قال :
وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ
[ 39 / 75 ] وقال :
يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ
[ 69 / 17 ] وقال :
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ [ وَمَنْ حَوْلَهُ ] يُسَبِّحُونَ
[ 40 / 7 ] ثمّ أثبت لنفسه كرسيّا فقال :
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
. وإذا عرفت هذا فنقول : كلّ ما جاء من الألفاظ الموهمة للتشبيه من العرش والكرسي فقد ورد مثلها بل أقوى منها في الكعبة والطواف وتقبيل الحجر ، ولما توقّفنا هاهنا على أن المقصود تعريف عظمة اللّه وكبريائه مع القطع بأنّه منزّه عن أن يكون في الكعبة ، فكذا الكلام في العرش والكرسي - انتهى كلام القفال « 1 » . وقد استحسنه كثير من العلماء المفسّرين ، وتلقّاه بالقبول جمّ غفير من الفضلاء المعتبرين ، منهم الزمخشري والرازي والنيشابوري والبيضاوي .
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي : 2 / 471 .