تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
عند اللّه » « 1 » . هذا كلامه - وفيه موضع نظر علمي ، وهو أنه كما يجب تنزيه ذاته تعالى وصفاته عن وصمة التجسم وقبول الإقسام الموجب للانعدام ، فكذلك يجب تنزيه فعله الخاص وأهل القرب والمنزلة عنده ، فإن انقسام المعلول القريب مستلزم لانقسام العلّة المفيضة إيّاه ، ولهذا حكموا بأن الأمر الثابت القارّ الذات - كالطبيعة - لا يكون علة لأمر متغيّر الذات غير قارّ - كالحركة - إلا ويلحقه ضرب من التغيّر لئلا يلزم فقدان المناسبة بين العلّة والمعلول القريب . فهكذا لا بدّ في صدور المتكثّرات والمتغيّرات والمنقسمات من المبدإ الأعلى الذي في غاية الوحدة والبساطة والتجرّد ، من متوسّط روحاني غير جسماني ، ليكون واسطة بين الباري تعالى وعالم الأجرام ، بل بينه وبين عالم النفوس المتوسّطة بين الروح الأعظم وعالم الأجرام ، فإذا كان كذلك يكون إثبات الأعضاء مستحيلا عليه كما استحال على مبدعة . ثم العجب تجويز ذلك عليه مع تسميته « روحا أعظم » فإن الروحانية تنافي التجسّم ، ولا أقل تنافي كون الشيء ذا أعضاء متمايزة في الأوضاع ، متخالفة في الصفات ، على أن تسمية الأطباء الجسم اللطيف البخاري المتشابه « روحا » إمّا على ضرب من التجوّز والتشبيه البعيد ، أو بحسب اشتراك لفظ اللطافة بين المعنى الذي يوجد في الجسم - وهو رقّة القوام أو عدم الحجاب عن البصر - وبين المعنى الذي يوجد في المجردات ، وهو عدم حجابها عن التعقّل ، أو نفوذ تأثيرها فيما دونها ؛ على أنّ أعظميّة الرّوح تنادى بانتفاء كونه روحا حيوانيا .
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي : 2 / 470 ، ملخصا .