اعتياد النفس بهيئة مخصوصة يتمثّل ذلك المعنى بها غالبا .
مثلا لفظ « الميزان » موضوع لما يوزن به الشيء ، وهو أمر مطلق عقلي هو بالحقيقة روح معناه وملاك أمره من غير أن يشترط فيه التخصص بهيئة مخصوصة ، وكلّ ما يقاس به شيء - بأيّ خصوصية كانت ، حسّية كانت أو عقلية - يصدق عليه أنه ميزان ، فالمسطرة والشاقول والكونيا والأسطرلاب والذراع وعلم النحو والعروض والمنطق والعقل كلّها مقائيس وموازين بها يقاس ويوزن الأشياء ، ولكل منها وزان ما تناسبه وتجانسه .
فالمسطرة ميزان الخطوط المستقيمة ، والشاقول ميزان الأعمدة على وجه الأرض ، والكونيا ميزان ما يوازي الأفق من السطوح ، والأسطرلاب ميزان الارتفاعات وغيرها ، والذراع ميزان كميّة المقادير الخطية ، والنحو ميزان إعراب اللفظ وبنائها على عادة العرب ، والعروض ميزان كميّة الشعر ، والمنطق ميزان صحيح الفكر ، والعقل ميزان الكلّ .
فالكامل العارف إذا سمع لفظ « الميزان » لا يحتجب عن معناه الحقيقي بما يكثر إحساسه ويتكرّر مشاهدته من الأمر الذي له كفّتان وعمود ولسان ، وهكذا حاله في كل ما يسمع ويراه ، فإنّه ينتقل إلى فحواه ، ويسافر إلى روحه ومعناه وباطنه وأخراه ، ولا يتقيّد بظاهره وأولاه ، وصورته ودنياه .
وأمّا المقيد بعالم الصورة فلجمود طبعه وخمود ذهنه وسكون قلبه إلى أول البشرية وإخلاد عقله إلى أرض المحسوسيّة يسكن إلى أوائل المفهوم ويطمئن إلى مبادي العقول ، ولا يسافر عن مسقط رأسه ومنبت حسّه ، ولا يهاجر من بيته إلى اللّه ورسوله حذرا من أن يدركه الموت المزيل للصورة الحسيّة قبل الوصول إلى عالم المعنى ، وذلك لعدم وثوقه بما وعده اللّه ورسوله حقّا وقلّة تدبّره في معنى قوله سبحانه :
فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ
[ 4 / 100 ] .