وعلوما له تعالى معا ، فكل ما يعلمه أحد منّا يكون بعضا من علومه تعالى - سواء كانت علوما لنا أو معلومات - .
فحينئذ لا يحتاج إلى ارتكاب المجاز ، لكن لما كان العلم عند هذا القائل مجرّد الإضافة احتاج إلى ذلك ، لأن الإحاطة لا تتعلّق بالإضافة ولا التبعيض يناسبها .
الإشارة الثانية
أنه لا يعلمون الغيب إلا من جهة اطلاعه تعالى بعض ملائكته أو أنبيائه على بعض الغيب ، كما قال :
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ
[ 72 / 27 ] .
الإشارة الثالثة
أنه لمّا ثبت أن لعلمه تعالى مراتب بعضها متقدّم على بعض وعلّة له ، وبعضها متأخّر عنه ومعلول له ، والمتأخّرات عين ذوات الأشياء فيكون علمه تعالى بذوات المجعولات - التي هي من مراتب علمه بوجه - علما فعليّا ، وهو المشيّة الإلهية أيضا ، لأن علمه الذي هو في مرتبة ذاته عين إرادته التي هي في تلك المرتبة بالذات ويعبّر عنها بالمشيّة الذاتية ، وكذا كلّ مرتبة من مراتب علمه عين إرادته في تلك المرتبة ، إذ مراتب الإرادة على وزان ما علمت في مراتب العلم ، فلا محالة تكون علوم غيره معللة عن مشيّته الأصلية فلذا قال :
وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ
أي بسبب مشيته لأن « الباء » سببية و « ما » مصدرية ، لا أنها صلة « يحيطون » - كما يتبادر إلى الأذهان أولا ، وإن كان له وجه أيضا ، لأن ما ذكرناه ألطف وأربط بما سبق وأليق بكلام الحق ، لدلالته على أن مشيته