جميع الموجودات العنصريّة لها توجّهات وحركات نحو الكمال ، فالعناصر تتحرّك نحو الجماد ، والجماد يتوجّه إلى النبات ، والنبات إلى الحيوان ، وهو إلى الإنسان ، وأول الإنسان ذو العقل ( هو العقل ) الهيولاني ، وهو يتوجّه في تحصيل الكمال إلى العقل الفعّال ، بعد طيّ مراتب العقل بالملكة والعقل بالفعل فيصير مرتقيا إلى ما ينزل منها ، وذلك العقل الفعال صار ثمرة شجرة هذا العالم بعد أن كان بذر هذه الشجرة ، فما يكون بذرا صار ثمرة .
فانظر إلى حكمة الباري وقدرته كيف ينقل البذر في تقاليب الأطوار إلى أن يبلغ مرتبة الثمار ، فيبتدي أوله وهو بذر يفسد لبّه في الأرض ويفنى عن نفسه في الأماكن الغريبة عن ذاته ، ثمّ يستحيل وينتقل بقوته النامية من حال إلى حال ومن طور إلى طور ، حتّى ينتهى آخره إلى ما كان أوّلا ويصل إلى درجة اللّب التي كان عليها سابقا مع عدد كثير من نوع ذاته وفوائد كثيرة وخيرات جمّة من فروع ذاته ولوازمها وقشور صفاته ، وضروريّات هي أرباح تجارته وفوائد سفره من الأوراق المخضّرة والأغصان المثمرة والأنوار والأزهار ، وجميع ما يسقط منه ويضمحلّ ويفسد ، وهي التي بسببها تارة يكون محبوسا عن المراد مقيدا بصحبة الأضداد ، وتارة بمخالطتها وحراستها محروسا عن الاضمحلال والفساد ، وبمعاونتها وصيانتها مصونا عن العفونة للمواد ، فيخرج من بين فرث تلك الأوراق والحشايش ودم العروق والأغضان ، دهنا خالصا ، ولبّا صافيا ( ذهبا خالصا ولبنا صافيا - ن ) وبذرا سالما غانما بإذن اللّه وثمرة صالحة هي نتيجة المقدمات والانتقالات ، موجودة باقية أبديّة مع انفساخ أكثرها وزوالها ودثورها .
فأحسن أعمال رويّتك بملاحظة هذا التمثيل وتطبيق قرائنه وحمل ألفاظه لتظهر لك كيفيّة كون الحقيقة المحمديّة سببا داعيا لوجود العالم ، ونتيجة
تفسير القرآن الكريم — صفحة 132
مساهمون: محمد خواجوى
ص١٣٢