تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
أنوار علومهم من مشكاة النبوّة والولاية ، وإلا فليسوا من الحكماء والعلماء في شيء إلا بالمجاز ، وذلك لأن الوصول إلى اللّه تعالى ونيل روح الوجود من المنبع الحقيقي لا يمكن إلا باتّباع الأنبياء والأولياء صلوات اللّه عليهم أجمعين ، إذ العقل لا يهتدى إليه اهتداء يطمئن به القلوب ويرتفع عن صاحبه الريب والشك ، ولا سبيل له في معرفة الحق إلا بأنه ينظر في الممكنات ويستدلّ بها على موجدها وهو الحقّ تعالى ، ثمّ على وحدته ووجوبه وعلمه وقدرته ، ولا يعلم من صفاته الثبوتية إلا هذا القدر ومن صفاته التقديسية أنه ليس بجسم ولا جسماني ولا زماني ولا مكاني وأمثال ذلك . وليس هذا الاستدلال إلا من وراء الحجب إذ لا يحضر عنده إلا مفهومات ذهنيّة ، ومعقولات ثانية لا يسمن ولا يغني من جوع ، وهذا بعينه كمن أراد أن يستغني بمفهوم الحلاوة عن السكّر وبمفهوم السلطنة عن السلطان ، فأصحاب العقول كلها كالذين قال اللّه فيهم :
أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
[ 41 / 44 ] لأنهم يجعلون الحقّ بعيدا عن أنفسهم ويكتفون عن ذات الحق الأول ومشاهدة الذوات المقدسة العقليّة وملاقاة حقائق أهل الجبروت والملكوت ، القاطنين في طبقات الوجود بمفهومات ذهنيّة وحكايات مثاليّة ، ومع هذا لا يجري لهم طريق الاستدلال إلا في الذهنيات والكليات التي هي طور العقل ، وأما في الأمور التي هي وراء طور العقل من أحوال الآخرة وأحكام البرازخ فيثبت فيها عقولهم ويقف من غير أن يهتدي إليها إلا باتّباع الشريعة . ولهذا اعترف شيخهم ورئيسهم بالعجز في إدراك المعاد الجسماني وصرّح بأن لا سبيل للعقل إليه الا من جهة تصديق خبر النبوة التي أتى بها سيدنا ومولانا محمد صلّى اللّه عليه وآله « 1 » ومن هنا يظهر معنى الشفاعة ومعنى كون النبي صلّى اللّه عليه وآله مأذونا فيها
هامش
( 1 ) الإلهيات من الشفاء : الفصل السابع من المقالة التاسعة : 544 .