يتقوّم الناس بحسب الحياة الأخروية والوجود العلمي المعادي بالعلماء ، والعلماء بالأولياء ، والأولياء بالأنبياء ، ونور الهداية والوجود المعادي إنما يفيض منه تعالى على جوهر النبوة وينتشر منها إلى كل من استحكمت مناسبته مع جوهر النبوة بالانعكاس لشدة المحبة وكثرة المواظبة على السنن ، وكثرة الذكر له بالصلاة عليه ، كما قال تعالى حكاية عنه :
فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
[ 3 / 31 ] .
ومثال ذلك نور الشمس إذا وقع على الماء ، فإنها تنعكس منه إلى موضع مخصوص من الحائط لا على جميع الحائط ، وإنما يختص بذلك الموضع بالانعكاس لمناسبة وضعية مخصوصة بينه وبين الماء توجب تلك المناسبة ارتباطا له بالنيّر بواسطة الماء في الوضع ، وتلك المناسبة مسلوبة عن سائر أجزاء الحائط ، وذلك هو الموضع الذي إذا خرج منه خطّ إلى موضع النور من الماء حصلت منه زاوية متساوية للزاوية الحاصلة من الخطّ الخارج من الماء إلى قرص الشمس ، وهذا لا يمكن إلا في موضع مخصوص من الجدار .
ومن هذا المثال يتفطّن اللبيب أن المناسبة التي توجب استفاضة الكمال من اللّه بتوسّط النبي ليست أيّ مناسبة كانت ، بل هي المناسبة المخصوصة التي لها جهة اشتراك مع المناسبة التي بين النبي وبين اللّه كما في المثال ، فإن جميع أجزاء الجدار لها نسبة وضعية مع وجه الماء ، ومع ذلك لا يستضيء من تلك الأجزاء إلا جزء خاص ، وذلك لاتحاد نسبتها إلى وجه الماء مع نسبة وجه الماء إلى الشمس ، لكونهما واقعين معا في سمت سطح واحد عمود على سطح الماء .
وهكذا حال نسبة البصر مع الصورة الخارجية التي يراها الإنسان ، فإن الخط الخارج من البصر إلى المرآة والمنعكس من المرآة إلى الصورة الخارجة