تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
فإذن ليس من شرط الممكن أن يكون مرجّح وجوده ابتداء هو الواجب إذ مجرّد الإمكان لا يقتضى ذلك ولا خصوصية كل ممكن ، بل خصوصيّة بعض الممكنات يستدعى الاستناد بالواسطة كالماديات والمتغيرات والمركبات ، فإن المركب مثلا لا بدّ في وجوده من سبق وجودات الأجزاء لتقوّمه بها ، فلا يمكن أن يكون وجود الكل والجزء في درجة واحدة يكون كل منهما منسوبا إليه تعالى بالجعل والإيجاد من غير توسّط ، وكذلك أفعال الحيوان - من الإحساس والتحريك - وأفعال النبات - من التغذية والتنمية والتوليد - وكذلك الأفعال القبيحة الإنسانية ومباديها مثل الحسد والكبر والجهل المركب والشهوة والغضب ونظائرها لا يجوز أن ينسب إليه تعالى من دون وساطة المبادي القريبة لأنه منزّه عن الفحشاء والمنكر والبغي . واعلم أن مذهب الأشاعرة ليس من توحيد الأفعال في شيء ، ولا أيضا ما ذهب إليه المعتزلة من كون العباد خالقين لأفعالهم مستقلّين في وجودها ، بل الحقّ الصحيح الذي ذهب إليه خواصّ الإمامية ومحقّقوهم ، ويستفاد من أحاديث الأئمة المعصومين صلوات اللّه عليهم أجمعين ، ويكون مطابقا لما عليه متألّهة الحكماء والرواقيون : أن فيّاض الوجود منحصر في الواجب بالذات ، والوسائط مكثّرات لحيثيات ( تجليات - ن ) جوده وجهات فيضه . وادّعى المحقق الطوسي رضوان اللّه عليه إطباق الحكماء على ذلك ، وذكر أن ما يوجد في كلامهم من نسبة التأثير والإفاضة إلى بعض الممكنات - المتوسطة بينه تعالى وبين المراتب النازلة - إنما يكون من باب المساهلة في التعاليم في باب كيفية صدور الكثير عن الواحد الحقيقي بحسب الواسطة ، من غير أن يكون للوسائط دخل في الإيجاد ، بل شأنها مجرد الإعداد وتكثير جهات