المجردة .
فالمراد من لفظة « في » هنا إما جميع هذه المعاني المحتملة أو البعض ، فالأول أولى على ما هو سياق الآية كما ذكره القائل ، إذ التخصيص خلاف الأصل لاشتمال الجميع على قدر جامع كلّي ، وهو مثل إضافة التعلّق والارتباط .
المطلب الخامس في دلالة هذه الآية على توحيد الأفعال كما مرّت الإشارة إليه
اعلم أن بعضهم قد احتجّوا بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى ، قالوا : لأن قوله تعالى
ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
يتناول كلّ ما يكون فيهما ، ومن جملة ذلك أفعال العباد ، فوجب أن يكون منسوبة إليه تعالى انتساب الملك والخلق إلى المالك والخالق ، لما مرّ أن هذه الإضافة « إضافة الملك والإيجاد » ولاستحالة توارد الموجدين الفاعلين على مفعول واحد بالعدد .
وكما أن اللفظ يدل على هذا المعنى فالعقل أيضا يؤكده ، لأن كلّ ما سواه فهو ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يترجّح إلا بتأثير واجب الوجود لذاته ، وإلا لزم الترجيح من غير مرجّح وهو محال .
واعلم أن هذا الدليل العقلي جدلي من قبل الأشاعرة الذاهبين إلى تجويز الترجيح من غير مرجّح ، ولا يمكنهم أن يصحّحوا عقيدتهم في هذا الباب بهذا الدليل ، بل غرضهم إلزام المعتزلة ، ومع ذلك فغير تامّ ، إذ للمعتزلة أن يمنعوا ذلك مستندا بأن الممكن يجوز أن يترجّح بممكن آخر ، وذلك المرجّح لإمكانه يترجح إما بممكن آخر أو بواجب الذات ، وعلى التقديرين لا بدّ من الانتهاء إلى الواجب بالذات جلّ اسمه دفعا للتسلسل أو الدور .