من الألفاظ ، لأن دلالتها ليست قطعيّة ، نعم في العمليات التي هي أحكام خاصّة والمقصود منها العملي خاصّة أو الرياضة النفسية ، أو المصلحة النوعية والنظام الجملي ، فمجرّد الظنّ والرجحان كاف للعمل به ، لأن العلم هنا وسيلة العمل فلا يكون أشرف منه ، وأما المعارف الإلهية ، كمعرفة الذات ومعرفة الصفات ومعرفة كيفية الأفعال : فلا يصحّ الاكتفاء فيها بالأخذ لها من الألفاظ استقلالا ، بل على سبيل التأييد والتنبيه ، كما هو دأب أكثر المتكلمين .
وفي قوله تعالى :
إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً
[ 10 / 36 ] إشعار لطيف بما ذكر ، إذ الحقّ عبارة عن الاعتقاد الصحيح الذي يطابقه الواقع - فافهم تهتد .
فإذا تقرر هذا فنقول : إن لفظة « في » استعمل في معان مختلفة تدلّ على بعضها بالاشتراك ، وعلى بعضها بالتجوّز ، فإن كون الماء في الكوز ، وكون الشيء في الزمان ، وكون الجزء في الكلّ وكون الشيء في المكان ، وكون الخاصّ في العام ، وكون الكلّ في الأجزاء ، وكون الكلّي في الجزئيات ، وكون الشيء في الخصب والراحة ، وكونه في الحركة ، ليست لفظة « في » في جميعها بمعنى واحد ؛ فكون الماء في الكوز ليس بمعنى كون الشيء في الشهر والسنة ، وكون السواد في الثوب ليس بمعنى كون الجسم في المكان ، وكذلك كون الماهية في الخارج ليس بمعنى كونها في الذهن ، وكون اللفظ في المعنى ليس بمعنى كون النقوش في الكتاب ، بل لفظة « في » يختلف معناها في هذه المواضع وغيرها اختلافا كثيرا لا يحصى ولا يجمع الكلّ إلا إضافة مّا .
وليست نفس الإضافة مقتضية لنسبة « في » فإن « مع » و « على » و « اللام » وغيرها مما يدلّ على إضافة مّا ، وليست مترادفة ولا مرادفة لها ، والإضافة المكانيّة