المطلب الرابع في معنى كلمة « في »
اعلم أن بعض المتكلمين ، النافين لوجود ضرب من ملائكة اللّه المقرّبين كالعقول والنفوس ، تمسّكوا بهذه الآية وأمثالها على نفي المجرّدات قائلين بأن اللّه تعالى لمّا كان غرضه عرض ما يوجد في مملكته وسلطانه من الموجودات وإظهار المالكيّة بجميع الممكنات ، بحيث لا يخرج عن إقليم إيجاده وخالقيّته وملكه شيء أصلا ، فلو كان في عالم القدرة شيء غير جسماني لكان ينبغي أن يكون معدودا من جملة ما أضيف إليه تعالى بإضافة الإنشاء والخلق والملك ، ومنخرطا مع سائر المعدودات في الذكر ، بل هو أولى بالذكر من غيره لكونه أشرف وأعظم منها ، فلمّا اقتصر على ما في السماوات وما في الأرض ولم يذكر غيرها ، علم من ذلك أن ليس للمجرّد وجود ، وذلك لأن لفظة « في » موضوعة لنسبة الظرفيّة ، وطرفا هذه النسبة وهو الظرف والمظروف كلاهما جسمانيّان ، وكلّ ما في السماوات والأرض لا يكون إلّا جسمانيا وهو المطلوب .
وأما الجواب : فقبل الخوض فيه يجب أن يعلم كلّ أحد أن الحقائق الكليّة والعلوم الحقيقيّة لا يمكن أن تقتنص من الإطلاقات اللفظيّة ، فإنّ لكلّ حقيقة سبب خاصّ وعلة قريبة لا توجد إلا بها ، وكما أن ذات كلّ حقيقة لا تحصل إلا من وجه خاص . فكذا العلم بها أيضا لا يحصل إلا من جهة العلم بمباديها ومقدماتها ، إذ العلم هو صورة المعلوم ، فهذا هو طريق اليقين والعرفان ، وأما الظنون وسائر الإدراكات فربما يحصل من غير هذا الوجه .
ففي مقام لا ينجح فيه إلا المعرفة التامّة والكشف الصريح لا يمكن استنباطه