والقهر له تعالى ، وتوسيع ملك وجوده وتفسيح دائرة هويته بحيث يتقهّر ويضمحلّ الكلّ عند عظمة كبريائه ، وتفنى كلّ في وظلّ حين سطوع نور جلاله وبهائه ، فالمناسب فيه أن يجعل الكل - وإن كانوا عقلاء كاملين في وجوداتهم - بمنزلة ذوي النقائص في الوجود .
أو لا ترى إلى قوله :
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ
كيف يدلّ على حالة طلوع شمس الحقيقة وظهور الوحدة التامة وفناء كلّ شيء ورجوعه إليه عند القيامة ، كذوبان الجميد بطلوع الشمس ، كما قال تعالى حكاية عن مثل هذه الحالة :
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
[ 40 / 16 ] مشيرا إلى ظهور دولة حكم المرتبة الأحدية ، وكذا قوله :
وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
يشير إلى هذا المقام ، أي بروز الوحدة التامّة وفناء الكثرات وزوال التعيّنات فإنه إذا ظهر علوّه وعظمته فمن ذا الذي يكون له رتبة الوجود في جنب عظمته وعلوّه ، ولذلك عبّر عن الجميع بلفظ « ما » الدالة على مطلق الشيئية العامة ، التي تشمل المعدوم والموجود والمحال والممكن ، لكونها غريقا في الإبهام بعيدا عن التحصّل والتعيّن .
وممّا يدل على هذا - أي جعل ذوي العقول مستهلكة العقول في جنب عظمته وسطوع نور جلاله وسطوته - قوله تعالى :
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ
[ 2 / 116 ] حيث أتى أشياء بعينها في مقام واحد هو مقام الأحدية وظهور سلطان الذات وتجلّى العظمة والجلال باسم الإبهام ، وفي مقام آخر هو مقام الكثرة وظهور سلطان الأسماء وتجلّى صفات الرحمة والجمال باسم الجميعة الكماليّة تنبيها على ما ذكرناه .