موصولتين أو استفهاميتين أن « من » إنما يستعمل في ذوي العقول دون « ما » ولكن بينهما فرق آخر عندما استعملتا استفهاميتين : وهو أن أحدهما سؤال عن ماهية الشيء وحقيقته ، والآخر سؤال عن هويّته ونحو وجوده .
وأما النكتة في إيراد لفظ « ما » في قوله :
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
دون « من » في الموضعين ، مع أن الموجود في كل منهما مشتمل على ذوي العقول وغير ذوي العقول هي أنه لما كان الغرض نسبة الموجودات إليه سبحانه بالمخلوقيّة والمملوكيّة ، وكان الغالب فيها ما لا يعقل ، أجرى الغالب مجرى الكل ، فأطلق القول وعبّر عن الجميع بلفظ « ما » تنبيها على أن المراد من هذه الإضافة مجرد المخلوقية .
هذا ما قيل ، لكن في الحكم بأن الغالب في السماويات ما لا يعقل محل نظر وكذا في السماويات والأرضيات جميعا فإن الأفلاك وما فيها أحياء ناطقون مسبّحون لربهم عند الحكماء الإسلاميين ، وما
وقع في الحديث « 1 » أنه « ليس فيها موضع قدم إلا ويوجد فيه ملك ساجد أو راكع »
يؤيد ذلك .
وفي بعض خطب أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه من كتاب نهج البلاغة « 2 » تصريحات بليغة ناصّة على كون الأفلاك وما فيها من الملائكة مسبّحون لربهم وساجدون وراكعون بحيث لا يسأمون ، إذ لا يغشاهم نوم العيون ولا فترة الأبدان ولا شبهة في أن التسبيح والصلاة لا يصدر إلا من العقلاء ، وأيضا قوله تعالى :
كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
[ 21 / 33 ] - حيث وقع بالواو والنون - يؤيّد ما ذكرناه وينوّر ما قررناه .
فالوجه أن يقال : إن هذه الآية لمّا كانت في مقام إثبات التوحيد والجلالة
هامش
( 1 ) المسند : 5 / 173 . در المنثور : 5 / 293 .
( 2 ) نهج البلاغة : الخطبة رقم : 1 و 89 .