فإذا تقرّر هذا فاعلم أن العقلاء اختلفوا في أنّ موجودية المعلول بالقياس إلى جاعله التامّ - كموجودية ما في السماوات وما في الأرض له تعالى - من أي قسم من هذه الأقسام الأربعة ؟
فقوّم من العقلاء ذهبوا إلى أنه من قبيل القسم الثالث ، لما شاهدوا بحسب الظاهر أن لها وجودا منفصلا عن وجود باريها ، فهي موجودات مستقلة في الموجودية الزائدة على ذواتها الإمكانية - سواء كانت جواهرا أو أعراضا - ولها نسبة إلى الباري جلّ اسمه بالمخلوقية ، وهذا هو المشهور وعليه الجمهور .
وذهب قوم إلى أن وجودها له تعالى كوجود الأعراض لموضوعاتها ، وهم جماعة من مقلّدة أهل العرفان ، والمتشبّهين بالصوفية ، المغترّين بظواهر عباراتهم - مثل أن نسبة الحوادث إليه تعالى كنسبة الأمواج للبحر - فتوهّموا أن إله العالم مادة الممكنات ، جهلا بأن مادة الشيء أمر ناقص بالقوة ، وجهلا بأن الفاعل للشيء لا يمكن أن يكون قابلا مستعدا له .
وقوم آخر ذهبوا إلى أن نسبة وجودات الممكنات إلى ذات الحق تعالى من قبيل القسم الأول - وهم الراسخون في العلم من الحكماء ، القائلين بأن للموجودات الإمكانية تحصّلا بحسب الخارج ، غير مستفاد من تحصّل الماهيات بل الماهية يحتاج في تحصّلها وتحققها إلى الوجود ، وكلّ وجود يتقوّم بوجود علّته الجاعلة إيّاه جعلا بسيطا ، فيكون كونها في نفسها هو عين فيضانها عن جاعلها الذي هو الوجود النسبي ، وتحقيق ذلك يحتاج إلى بسط في الكلام مع صفاء تامّ ولطف شديد في المدارك والأفهام .
المطلب الثالث في كلمة « ما »
اعلم أن « ما » هاهنا هي الموصولة ، والفرق بينها وبين « من » سواء كانتا