ينام ، ثم قال : « خذ بيدك قارورتين مملوّتين ، في كل يد واحدة منهما » وأمره بالاحتفاظ بهما ، فكان يتحرّز بجهده إلى أن نام في آخر الأمر فاصطفقت يداه فضرب إحدى القارورتين على الأخرى فانكسرتا ، فضرب اللّه تعالى ذلك مثلا له في بيان أنه لو كان ينام لم يقدر على حفظ السماوات والأرضين .
واعلم أن مثل هذا لا يجوز أن ينسب إلى الأنبياء عليهم السّلام سيّما أولوا العزم من الرسل مثل موسى عليه السّلام خصوصا على مذهب أصحابنا الإماميّة - رضوان اللّه عليهم - حيث لا يجوّزون صدور الذنب منهم - صغيرا كان أو كبيرا - وأيّ ذنب أكبر من الجهل بالصفات التي هي من لوازم الإلهيّة ومن ضرورات الواجبية ؟ وهي العلم التام بمبدعاته من غير خلل وفتور ، ولا سهو ولا قصور .
ومن جوّز النوم عليه سبحانه أو كان شاكّا في استحالته كان كافرا ، فكيف يجوز نسبة هذا إلى موسى عليه السّلام ، فهذه الرواية إن صحّت وجب أن تنسب إلى جهّال قوم موسى « 1 » كطلب الرؤية ، فإن الجسمانيّة كانت غالبة على قومه بحيث لم يمكنهم تصوّر أمر مفارق الذات والصفة عن الموادّ الجسمية لا في الممكن ولا في الواجب ، كالحنابلة من أمّة نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله الذين جعلوا إلههم جسما مستويا على العرش ، والأشاعرة وإن كانوا أرفع قليلا من هؤلاء إلا أنّهم يشار كونهم في نفي التجرّد وإثبات التحيّز لما سوى الواجب تعالى ، وهو عين الجهالة أيضا ، فإن كون الواحد نصف الاثنين ليس مفتقرا في تحقّقه لا هو ولا مفرداته إلى تحيّز وتجسّم ، والداعي لهم إلى نفي المجردات زعمهم أن تحقّق أمر مجرد في غير الواجب تعالى يوجب للواجب شريكا ، ولم يعلموا أن التجرّد سلب محض والاشتراك في السلوب لا يوجب الاشتراك في معنى ذاتي أو
هامش
( 1 ) في الدر المنثور : 1 / 327 عن ابن عباس ان بني إسرائيل قالوا : يا موسى هل ينام ربك ؟ . . .