الحكماء ، وهو إن الايمان الحقيقي ليس مجرد القول بالشهادتين ، بل عبارة عن اعتقادات مخصوصة يقينيّة ، وعلوم حقّة برهانيّة أو كشفيّة . وقد ثبت إنّ العلم الحاصل للنفس بالبرهان ليس يمكن الزوال عنها . فكلّ من تحلّت نفسه بالايمان باللّه واليوم الآخر والملائكة والكتب والرسل والشهداء فلا يمكن زوال إيمانه على التحقيق .
وكذا الكفر الحقيقي عند التحقيق ليس عبارة عن عدم التنطّق بالايمان أو عدم الاعتقاد فقط ، أو خطور صورة باطلة بالبال مقابلة لأصل من الأصول . بل عبارة عن اعتقاد الشرك مع الرسوخ فيه والجحود لقول الحقّ وقول الرسول صلّى اللّه عليه وآله وأئمة الدين عليهم السلام . وإلّا فمجرّد الجهل البسيط بأصول الايمان لا يوجب استحقاق العذاب الدائم ، بل يوجبه الجهل المركب المشفوع بهيئة نفسانيّة وملكة ظلمانيّة يتأكد في النفس سدّا بين يدي القلب ، وغشاوة على البصيرة .
فإذا تقرّر ما ذكرناه ظهر لقول أصحاب الموافاة وجه صحيح وصورة علميّة يستحسنها ذوق أرباب التحقيق .
* * * الثاني إن إبليس كان مؤمنا ، ثمّ طرأ عليه الكفر .
واعلم إنّ هذا القول مما يستكرهه العارف بآيات رحمة اللّه وآثار لطفه وعنايته ، ومما يسيء الظنّ بربّ العباد وحكمته وإحكام صنعه وإتقان فعله ، فإنّ تجويز أنّ أحدا كان مؤمنا مخلصا للّه في عبادته سنين متطاولة وأحقابا كثيرة متمادية ، ثمّ تغيّر حاله وانصرف قلبه عمّا كان مستمرّا عليه راسخا فيه في تلك السنين والأحقاب المتطاولة بأدنى شيء - يستلزم أن لا يبقى لاحد اعتماد على اليقينيّات ، ولا اعتقاد بشيء من الأصول المثمرة للسعادات ، فيكون كل أصل من الأصول اليقينيّة ممكن الزوال ، جائز الاضمحلال ، فيكون مدار الإعتقادات على الظنّ والتخمين ، وبناء الأمور على البخت والاتفّاق .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 74
مساهمون: محمد خواجوى
ص٧٤