وهذا الاستدلال في غاية الضعف . إذ على تقدير أن يكون منشأ كفّره تلك المعصية لا يثبت به مطلوبهم ؛ لأنّه ربما كان لبعض المعاصي خصوصيّة لا توجد في غيره .
على أنّا نقول : إنّما كفر لاستقباحه أمر اللّه إيّاه بالسجود لآدم ، ولاستكباره واعتقاده كونه محقّا في ذلك التمرّد لأنّه أفضل منه - والأفضل لا يحسن أن يكون مأمورا بالتخضّع للمفضول والتوسّل - واستبداده برأيه واستدلاله على ذلك بقوله :
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ
جوابا لقوله :
ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ
[ 38 / 75 ] وعمله بقياسه المغالطي - المختلّ الأصل والفرع - في مقابلة النصّ .
ثمّ على القول بأنّه « كان كافرا من أوّل الأمر ، منافقا حين اشتغاله بالعبادة » هذا الاستدلال ساقط رأسا .
* * * واعلم إنّ من فوائد هذه الآية استقباح الاستكبار ، وأنّه قد يفضى بصاحبه إلى الكفر ، وكونه علامة لظلمة كامنة في النفس باعثة على الفرقة والإنانيّة .
والحثّ على الطاعة والايتمار - وإن لم يعلم سرّ الأمر - وترك الخوض في البحث .
وأنّ الامر يكون للوجوب .
وأنّ الذي علم اللّه من حاله إنّه يتوفّى على الكفر هو الكافر على الحقيقة - لأن علم اللّه بالأشياء هو عين حقائقها 3 - لأن العبرة بالخواتيم ، وإن كان بحكم الحال مؤمنا . وهو الموافاة المنسوبة إلى أصحابنا 4 رضوان اللّه عليهم .