فمنهم من قال بأنّه وجد قبله جمع من الكافرين . ويؤيّده ما روي عن أبي بريدة « 1 » إنّه قال « إنّ اللّه تعالى خلق خلقا من الملائكة ، ثمّ قال لهم :
إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ
فقالوا : لا نفعل ذلك . فبعث اللّه عليهم نارا فأحرقتهم . وكان إبليس من أولئك الذين أبوا » .
ومنهم من قال : معنى الآية إنّه صار من الذين وافقوه في الكفر بعد ذلك - وهو قول الأصمّ .
ومنهم من قال : إنّ هذا من باب إضافة فرد من أفراد الماهيّة إلى تلك الماهيّة ، وصحّة هذه الإضافة لا تقتضي وجود تلك الماهيّة كما إنّ الحيوان الذي خلقه اللّه أوّلا يصدق عليه إنّه فرد من أفراد الحيوان - لا بمعنى إنّه واحد من الحيوانات الموجودات في خارج الذهن ، بل بمعنى إنّه واحد من أفراد هذه الحقيقة ، أعمّ من أن يكون الأفراد محقّقة أو مقدّرة .
والحقّ عندنا إنّ إبليس أوّل من كفر باللّه ؛ وأوّل من سنّ كلّ كفر وبدعة ومعصية وقعت في العالم أو سيقع إلى يوم القيامة ، وهذا رأي الأكثرين .
ثمّ إنّه هل هو أكفر الكفرة وأعند المنافقين ، أم لا ؟ ففيه تأمّل .
ثمّ على تقدير أنّه أكفر الكفرة - هل هو أشدّ الكفّار عذابا يوم الآخرة ، أم لا ؟
ففيه أيضا موضع تأمل 2 من ذي بصيرة .
[ هل العاصي كافر ؟ ]
واعلم إنّ المعصية عند أصحابنا الإماميّة وعند المعتزلة والأشاعرة لا توجب الكفر ، وأمّا عند الخوارج : فكلّ معصية كفر ، وهم تمسّكوا بهذه الآية ، قالوا : إنّ اللّه كفّر إبليس بتلك المعصية الواحدة ، فدّل على أنّ كلّ معصية كفر .
هامش
( 1 ) في تفسير الفخر الرازي ( 1 / 452 ) : « عن أبي هريرة » . ونسب الطبري هذا القول إلى ابن عباس ( تفسير الطبري : 1 / 180 ) .