وكما إن أوّل الأرواح العقليّة من لا واسطة في الشرف بينه وبين اللّه ، كذلك آخر الأرواح النبويّة من لا واسطة بينه وبين اللّه ، كما
قال صلّى اللّه عليه وآله : « لي مع اللّه وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل »
وهذا لا ينافي كون جبرئيل أو غيره من الملائكة معلّما له في بعض الأحوال ، لما علمت إن الإنسان ذو نشآت متفاوتة .
فجميع ما ذكروه من الدلائل الدالّة على تفضيل الملائكة على البشر حقّ وصدق ، ولا ينافي كونه أشرف منهم في آخر أمره ، وحقّ المقام أن يقع المفاضلة بين الملك وبين آخر مقام الإنسان ، وأن يعتبر مع كل صنف من الملك صنف من الناس الذين يكونون بإزائهم ، ويقعون في عالمهم .
وكما إن الملائكة أنواع كثيرة - بعضهم ملائكة العلوم ، وبعضهم ملائكة الأعمال . وملائكة الأعمال بعضهم ملائكة الجنّة والرحمة ، وبعضهم ملائكة النار والعذاب كالزبانية - ولكلّ منهم منازل ومراحل كثيرة - فكذلك أصناف البشر بعضهم من أهل العلم والمعرفة والقرب ، وبعضهم من أهل العمل . فمنهم مطيعين ، وهم أصحاب الجنّات . ومنهم عاصين ، وهم أهل النار . والكفرة بإزاء أهل العلم مخلّدة في الجحيم .
فإذا سئل عن التفاضل بين ملائكة الأعمال وأصحاب الأعمال من البشر فالفضل للملك ، لأنّهم أقدر على الطاعات . وإذا سئل عن ملائكة العلوم وأهل الولاية والنبوّة من البشر فالفضل للأنبياء والأولياء عليهم السلام لكونهم جمعوا بين العلم والعمل ، وكانوا متّصفين بصفات الخلائق كلّها ، متخلّقين بأخلاق اللّه ، عارفين بجميع الأسماء ، لأنّهم كانوا أوّلا في عالم المحسوسات والجسمانيّات ، ثمّ في عالم المتخيّلات والمثاليّات ثمّ في عالم الحقائق والمعقولات .
فلهم الجامعيّة الكبرى ، فاستحقّوا للخلافة الإلهيّة مدّة في عالم الأرض لقوله :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
. ثمّ في عالم السماء « لولاك لما خلقت الأفلاك » .