تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ
[ 21 / 104 ] وقال أيضا :
قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ
[ 2 / 60 ] وحركات الجوارح آثار تلك المعاني المحرّكة التي أودعتها القدرة في النفوس إتماما للحكمة وإظهارا لكمال الرحمة ، فالنفوس التي لا تكون بينها وبين الأوّل تعالى واسطة تنجذب إلى جنابه طبعا كانجذاب إبرة من حديد إلى مغناطيس غير متناهي [ القوّة ] . وقوله :
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
[ 5 / 54 ] كناية عن هذا الجذب والانجذاب ، كما أنّ قوله :
نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ
[ 9 / 67 ] كناية عن الطرد والدفع عن جناب القدس إلى جانب البعد . وبالجملة نهاية كلّ واحد رجوعه إلى البداية ، وإلى هذا المعنى أشار العارف الربّاني صاحب منازل السائرين ، عبد اللّه الأنصاري : « إلهي تلطّفت لاولياءك فعرفوك ، ولولا تلطّفت لأعداءك لما جحدوك » . فحكم النفوس التي لم تكن بين مصدرها وبين الأوّل تعالى واسطة أن يعرفوها ويصلوا إليها راجعين راضين مرضيّين . وأمّا النفوس التي بينها وبين الأوّل حجب العزّة ووسائط القدرة فتحشرون إلى طبقات مختلفة المراتب في الصعود والهبوط
وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا
[ 6 / 132 ] وربما صارت بعض النفوس أبخس ممّا كانت في أوّل الأمر ، فيكون مرجعها إلى المهاوي النازلة ، وليس هذا الموضع محلّ بيانه . * * * فإذا تمهدت هذه الأصول فنقول : قد تبيّن وانكشف إن الإنسان يمكن أن يصير في آخر مقاماته أشرف من الملائكة ، إذا كما إنّ للملائكة طبقات متفاوتة في الوجود النزولي - وأشرفها طبقة الأرواح المهيمة التي هي باصطلاح الحكماء تسمّى العقول النزولي - الفعالة ، فكذلك للإنسان درجات متفاوتة في الصعود إلى اللّه ، وأشرفها وأكملها درجة الأرواح النبويّة التي أيضا عقول بالفعل ، وعند القيام إلى اللّه تعالى يكون فعّالة للعلوم العقليّة ، مكملة للنفوس ، شفعاء للخلائق إلى اللّه تعالى .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 68 | محمد خواجوى / صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )