ففي سلسلة الإبداع والإفاضة كلّ ما كان أقدم في الوجود فهو أشرف وأفضل وفي سلسلة التكوين والإعداد للغايات كلّ ما هو آخر فهو أشرف ، لأنّ الأكوان الإبداعيّة لكمال وجودها متفضّلة راشحة بالخير الدائم على ما دونها ، والأكوان الحادثة متوجّهة في الاستفاضة للخير عمّا فوقها ، سالكة في طلب التمام والكمال إلى غاياتها .
وقد ثبت أنّ للأشياء الطبيعيّة غايات ، ولا يخلو موجود ناقص إلّا وقد أودع اللّه فيه قوّة طبيعيّة محرّكة ، أو شوقا جبليا يسلك به إلى طلب الكمال ، وتوصله إلى الغاية والتمام . ولهذا جزم الحكماء الإلهيّون بسريان نور العشق والشوق إليه تعالى في جميع الموجودات ، ما من موجود إلّا وهو عاشق له ، أو مشتاق ساكن إليه أو سالك ، واللّه الباقي وكل شيء هالك .
واعلم إنّ هذه القشور الكثيفة وإن كانت خسيسة في الغاية شبيهة بالعدم لكن إعادة ترتيب الحدوث من هذه الحسيّات الزائلة إلى العقليّات الدائمة ليس بأصعب على من له الخلق والأمر من ابتدائه بالسياق عن العقليّات الدائمة إلى الحسيّات الداثرة ، وليس القشر المتكاثف - وإن تناهي في الإظلام والبرد - والكثافة بممتنع عن قبول الأثر عن الجوهر اللطيف .
بل الأرض - وإن تمكّنت بالاستفالة والاستقلال ، واشتدّت قوّتها بمبالغ الإنزال ، فإنّها بتأثير قوّة الشمس فيها وإشراقها عليها تستجلب اللطافة ، وتصير مادّة للغذاءات والأقوات ، منشأ لتوليد النبات .
ولو كان القشر المتكاثف ممتنعا عوده إلى اللطافة ، أو مصيّرة مادّة لتوليد اللباب فيه أو منه ، لما كان في جوهره وطبيعته قوّة قابلة منفعلة ، بل لم يكن القشور من الحبوب المزروعة ليصير قوتا للحيوانات ، ولم يكن الثفل الكدر من الأشياء المأكولة ليصير مادة النبات .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 61
مساهمون: محمد خواجوى
ص٦١