وإنّ أجرام العناصر لقصور صورتها الطبيعيّة تصير مادّة لصور هي أكمل من صورتها وموضوعة لأعراض قارّة وكيفيات تشتدّ وتضعف فيحصل من موادّها صور معدنيّة ونباتيّة وحيوانيّة .
ونوع الإنسان من جملة أنواع الحيوانات وإن كان متميّزا عن الكائنات بصورة حيوانيّة شريفة . إلّا إنّها أضعف الصور الحيوانيّة ، وأفراد البشر تكون ضعيفة الحيوانيّة في باب الحسّ والحركة ، لا يمكنها الاكتفاء في الملابس بإهاب طبيعيّ يحفظه عن الحرّ والبرد ، ولا في باب إصلاح المطاعم وإنضاجها بمطبخ طبيعيّ كالمعدة والكبد بل يحتاج في كلّ ذلك إلى معاون خارجيّ ، وهذا لضعف قواه الحيوانيّة ، كما قال تعالى :
وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً
[ 4 / 28 ] .
وهذا الضعيف هو منشأ الانتقال والارتحال من حاله الأدنى إلى حال أعلى ، وبهذا يستعدّ لأن ينتقل من مقام الحيوانية الحسيّة إلى مقام الملكيّة العقليّة وأنت لو تأمّلت في أحوال الموجودات لوجدت الجميع إمّا واقفة في مقاماتها التي لها ، أو بطيئة في توجّهها إلى نحو الغاية المطلوبة ، والسالك السريع الحركة نحوها منحصر في بعض أفراد الناس .
أمّا الملائكة المقرّبون ، فلا حاجة لها إلى الاستكمال والحركة نحو الكمال ، لأنّهم دائمة القرب والوصول إلى معبودهم الأعلى - جلّ ذكره - .
وأمّا الملائكة السماويّة فلكلّ منهم مقام في العبوديّة الدائمة ، لا باعث لهم في الخروج عمّا هم عليه ، لدوام إشراقاتهم المتوالية ، وقوّة حالاتهم ووفور ابتهاجاتهم ولذّاتهم ، كأحوال أهل الجنة في طبقاتهم ومنازلهم ومقاماتهم .
وأمّا الشياطين فلقوّة ناريّتهم ورسوخ أنانيّتهم وحبّ رياستهم لم ينقادوا للعبوديّة والانكسار ، ولم يتغيّروا عما فطروا عليه من الاستكبار والافتخار .
ويقرب من حالهم أحوال الجنّ ، وإن كان بعض منهم أخيارا مسلمين ، إلّا