أنّهم كلّهم مخلوقون من النار ، والنار أقوى العناصر وأبعدها عن قبول التأثير .
وأما الجمادات التي ليست واقعة في حدود المادّة الإنسانية ، فهي إمّا قويّة الجماديّة كالأحجار واليواقيت فلصلابتها لا تنقلب إلى غيرها . . وإمّا أن تكون ملائم الجوهر لصورة أخرى ، لكنها مما قبلت صورة صلبة فوقفت عندها ، فهي صعب الانقلاب إلى غيرها وكذا الحكم في سائر النباتات والحيوانات .
وأمّا الإنسان الذي خلق لبلوغ النهاية فهي أبدا في الحركة والرجوع والإنابة والسلوك ، لكونه ما بين صرافة القوّة ومحوضة الفعلية .
والعجب أنّ الذين فضّلوا الملائكة على الإنسان - كالصابئة وغيرهم - جعلوا اشتمال الإنسان على القوّة والنقصان منشأ انحطاط درجته عن درجة الملائكة ، وهذه الصفة بعينها تصير منشأ لأن يتفضل عليهم ويتجاوز عن مراتبهم .
الأصل السابع : إنّ كلّ ما يتعلق بالبدن - سواء كانت صورة أو نفسا حيوانيّة أو إنسانيّة أو فلكية - فهي مصحوبة بالقوّة والاستعداد ، محتاجة إلى جوهر عاقل يكمّلها ويخرجها من القوّة إلى الفعل ، وكمالها عبارة عن صيرورتها عقلا وعاقلا بالفعل ، ومعقولا بالفعل ، وكلّ ما صارت عقلا بالفعل فيصير كلّ الموجودات .
لأنّ كلّ موجود من شأنه أن يعقل فهي إما بتغيّر من جانب المعقول كالصور المادية المعقولة بالقوّة ، المحتاجة في أن يصير معقولة بالفعل إلى مغيّر يغيّرها ومجرّد يجرّدها وينتزعها من المادّة . وإمّا بتغيّر من جانب العاقل إذا صار عاقلا بالقوّة ، فيحتاج إلى حركات فكريّة يسافر من بعض الصور الخياليّة إلى بعض ، حتى ينتهي إلى العقولات الصريحة ، كالعقول القادسة وما فوقها .
فكلّ ما هو كامل بالفعل فلزمه أن لا يخلو عنه شيء من المعقولات ، بل يجب أن يكون عقلا بسيطا هو صورة الكل في وحدة . ومثل هذا الموجود يجب أن
تفسير القرآن الكريم — صفحة 64
مساهمون: محمد خواجوى
ص٦٤