تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
لأرواحنا الحاملة لقوى الفكر والتخيّل . أقول : هذا المنع لا يجري في الملائكة المقرّبين ، المسمّاة عندهم بالعقول المجرّدة ، وإنّما يجري في النفوس الفلكيّة . والرابع بأنّه لا قديم في الوجود إلّا اللّه . ولئن سلّم - إنّها وإن كانت ممكنة الوجود فهي واجبة الوجود بمباديها - عورض بما عليه كثير من المحقّقين : إنّ النفوس البشريّة أيضا أزليّة بمباديها ، وكانت كأظلال تحت العرش يسبّحون بحمد ربّهم ، إلّا أن المبدأ الأوّل أمرها بالنزول إلى عالم الأجساد وشبكات الموادّ ، فلمّا تعلّقت بها استحكم إلفها ، فبعث من تلك الظلال أشرفها وأكملها إلى هذا العالم ليحتال في تخليص تلك الأرواح عن هذه الشبكات ، وهذا هو المراد من « باب الحمامة المطوّقة » من كتاب كليلة ودمنة . والخامس بأن الشرف ليس بالمادّة ، وإنّما هو بالقرب من ربّ العالمين والانقياد له . والسادس بأنّ المواظب على تناول الأغذية اللطيفة لا يلتذّ بها كما يلتذّ المبتلى بالجوع ، فلا يكون لذّة الملائكة بالعلم والعمل كلذّة البشر ، لعروض الفترات لهم في أكثر الأوقات بسبب العلائق الجسمانيّة ، والحجب الظلمانيّة ، فهذه المزيّة في اللّذة مما يختصّ به [ ظ : بها ] البشر ، ولذلك قالت الأطبّاء : إن الحرارة في حمّى الدقّ أشد منها في حمّى الغبّ « 1 » ، لكن الحرارة في الدقّ لما دامت واستقرّت بطل الشعور بها ، فهذه اللذّة لعلّها ليست للملائكة لأجل الاستمرار ، ولا لغير الإنسان لعدم الاستعداد ، فكان الإنسان لها بالمرصاد . وأجيب عن السابع بأنّه لا مانع من أن يتّفق نفس ناطقة مستولية على الأجرام
هامش
( 1 ) حمّى الدقّ ما يقول العامة لها : السخونة الفرعية . وحمّى الغب التي تنوب يوما بعد يوم . ( تب نوبه )