فصل [ هل الآية تنفى القول ببطلان التناسخ ؟ ]
وهاهنا بحث عقلي وهو أنّ التناسخ ممتنع بالبراهين القويّة كما أوردنا في الكتب الحكمية . فهيهنا إن كانت النفس باقية والصورة متبدّلة فهو بعينه التناسخ - وهو محال كما عرفت - وإن كان الشخص الذي كان إنسانا قد عدم ووجد شخص من القردة ، فكان إهلاكا للبعض من الناس وإحداثا للبعض من القردة .
وقد يدفع الإشكال بما روي عن مجاهد « 1 » انّه سبحانه مسخ قلوبهم - بمعنى الطبع والختم - لا انّه مسخ صورهم ، وهو مثل قوله تعالى :
كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
[ 62 / 5 ] ونظيره أن يقول الأستاذ للمتعلّم البليد الذي لا ينجع فيه تعليمه :
« كن حمارا » .
واحتجّ على امتناعه بأمرين : الأول انّ الإنسان هو هذا الهيكل المشاهد والبنية المخصوصة المحسوسة : فإذا أبطلها اللّه وخلق في تلك الأجسام تركيب القرد وشكله ، كان ذلك إعداما للإنسان وإيجادا للقرد . وكان حاصل المسخ على أنّه تعالى أعدم الأعراض التي باعتبارها كانت تلك الأجسام إنسانا وخلق فيها الأعراض التي باعتبارها كانت تلك الأجسام قردا . وبالجملة يكون إعداما وإيجادا - ولا يكون مسخا .
الثاني : لو جاز ذلك لما آمنّا في كلّ ما نراه قردا أو كلبا أو خنزيرا انّه كان إنسانا عاقلا . وذلك يفضي إلى الشكّ في المشاهدات .
وكلا الوجهين في غاية السخافة ، ولا يدفع بهما إمكان التناسخ .
أمّا الأوّل : فلأنّ الإنسان ليس عبارة عن الهيكل والشكل المحسوس ، إذ كثيرا ما يتبدّل الهيكل بالنموّ والذبول ، والسمن والهزال . والشخص بعينه باق
هامش
( 1 ) مجمع البيان : 1 / 129 .