فإذا تقرر ما ذكرناه فنقول : انّ ما ذكره مجاهد - وإن كان غير مستبعد جدّا وله وجه حسن - لا لما ذكره بعض المفسرين كالإمام الرازي وغيره « 1 » : « بأنّه مجاز شائع ، فإنّ الإنسان إذا أصرّ على جهالة بعد ظهور الآيات ووضوح البينّة فقد يقال في العرف إنّه حمار وقرد . وإذا كان هذا المجاز من المجازات المشهورة لم يكن في المصير إليه مجذور ألبتّة » - بل لما أشرنا إليه من حقيقة المسخ بحسب الباطن والقلب ، كما وجّهنا إليه كلام الأقدمين من الحكماء . ولكن مع ذلك لا حاجة بنا إلى العدول إلى ما ذكره عن الظاهر المتعارف .
وذلك لمعنى لطيف نذكره ، وهو انّ مسخ الصورة وتبدّلها على وجهين :
أحدهما أن ينتقل النفس من بدن إنسان مثلا عند موته إلى بدن حيوان آخر حين ولادته وهو المسخ المعروف عند التناسخيّة - وهذا باطل عند المحقّقين .
والثاني أن يتحوّل شخص واحد من صورته إلى صورة حيوان آخر كما وقع في بني إسرائيل - وهذا جائز لا دليل على استحالته .
والسبب فيه انّ الأبدان تابعة للنفوس ، والأشكال فائضة عليها من المبدإ بوساطة النفوس . ولهذا ما ترى تغيّرات البدن عند تغيّرات النّفس ، من الشهوة والغضب والخوف والفرح وغيرها ، فإذن لا استبعاد من كون بعض النفوس في شدّة خلقها الرديّ وتأكّدها بحيث تؤثّر في البدن تأثيرا شديدا يشكّل البدن بشكل يناسب ذلك الخلق ، فيكون يمسخ الظاهر تبعا لمسخ الباطن على وجه الاتّصال .
وهذا ممّا كان في أمّة موسى عليه السّلام ، وسبب هلاك ذلك الممسوخ زوال عقله ، فلا يمكن تدبير بدنه بغذاء يناسبه ، فيموت بعد ثلاثة أيّام ونحوها .
ودليل استحالة التناسخ لا يجري في هذا النحو من المسخ المتصّل ، بل يجري في المسخ المنفصل .
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي : 1 / 555 .