إشارة [ قرب أحوال القوم من الحيوانات ]
قد تقرّر انّ الغذاء شبيه بالمغتذي ، ومن هاهنا أيضا يعلم مع القرائن الأخر - كعبادتهم العجل ، وكونهم أربعين سنة في الصحراء ، وكون أبدانهم قابلة لأنّ يقرض منها أجزاءها بالمقاريض من غير أن يجرح لضخامة أبدانهم ، وكون أثوابهم كالجلود كانت تزيد بزيادة قدّهم ، وغير ذلك - انّ قوم بني إسرائيل كانت خارجة في المزاج عن عرض المزاج الإنساني الذي نشأ في ما بعد زمانهم ، وكانت طبائعهم قريبة الشبه من طبائع الأنعام ، وأغذيتهم كأغذيتها مما تنبت الأرض من قشور أغذية وكثافتها ونخالتها ، كالعلف والتبن ، لا من لبوبها ولطافتها كالحبوب والأدهان والدسومات والحلاوات التي يختصّ بالتغذّي بها الإنسان دون غيره من الحيوان .
ويؤيّد ما ذكرنا قوله تعالى في تشبيههم بالحمار :
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
[ 62 / 5 ] .
فصل
واختلف في سؤالهم هذا : هل كان معصية ؟ فقيل : لم يكن معصية ، لأنّ الأوّل كان مباحا ، فسألوا تبديله بمباح آخر . وقيل : بل كان معصية لأنّهم لم يرضوا بما اختاره اللّه لهم ، ولذلك ذمّهم . وهذا أوجه .
وربما رجّح الأوّل بأنّه لو كان السؤال معصية لكانت الإجابة إليه معصية ، وهي غير جائزة على الأنبياء عليهم السّلام .
والجواب : لا نسلّم انّ موسى عليه السّلام دعا ربه لإجابة مسؤلهم عنه . بل لمّا أبوا شيئا اختار اللّه لهم أعطاهم عاجل ما سئلوا ، كما في قوله :
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها
[ 42 / 20 ] .