والجواب : انّ الحقّ المعلوم فيما بين المسلمين الذي يوجب القتل ، كما في
قوله صلّى اللّه عليه وآله « لا يحلّ دم امرئ مسلم إلّا بإحدى معان ثلاثة : كفر بعد ايمان .
وزنا بعد إحصان ، وقتل نفس بغير حقّ » .
فالحقّ المذكور بلام التعريف إشارة إلى هذا . وأمّا الحقّ المنكر غيره . ففيه تأكيد . أي : لم يكن هناك حقّ ، لا هذا المعروف بين المسلمين ولا غيره أصلا .
فصل
وأمّا قوله
ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ
أي : ذلك الغضب وضرب الذلّة والمسكنة لأجل عصيانهم واعتدائهم في السبت .
وقيل : المراد اعتدائهم في قتل الأنبياء فهو تأكيد لتكرير الشيء بغير لفظه الأوّل ، وهو كقول الرجل لعبده - وقد احتمل منه ذنوبا سابقة فعاقبه عند آخرها - :
« هذا بما عصيتني ، وهذا بما خالفت أمرى ، وهذا بما تجرئت عليّ وهذا بكذا » فيعدّ عليه ذنوبه المختلفة ، أو يعدّ عليه ذنوبه بألفاظ مختلفة تبكيتا .
ومعنى الاعتداء هاهنا : الظلم والتجاوز عن الحقّ إلى الباطل .
نكتة :
واعلم انّ درجات المعصية متفاوتة ، أقواها الكفر باللّه وبعده الكفر برسله وأنبيائه ، وبعدهما الظلم من أحد على نفسه ، وبعدها الظلم على غيره .
فاعلم انّه لما ذكر سبحانه إنزال العقوبة بهم ، بيّن سبب ذلك ، فبدء أوّلا بما فعلوه في حقّ اللّه ، وهو جهلهم بآياته ، وكفرانهم لنعمه . ثمّ ثنّاه بما يتلوه في العظم وهو قتل الأنبياء . ثمّ ثلّثه بما كان يصدر منهم من المعاصي التي تخصّهم . ثمّ ربّع ذلك بما يصدر منهم - من المعاصي المتعدّية إلى الغير مثل الاعتداء في السبت وغيره - وذلك في غاية حسن الترتيب .