تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 447

مساهمون:

ص٤٤٧
ثمّ اختلف في الأمر في قوله :
اهْبِطُوا
للوجوب ، أو للندب ، أو للتخيير ؟ والظاهر انّه للتخيير والإباحة . يعنى : إذا لم تصبروا على ما هو خير لكم اهبطوا مصرا فانّ ما سألتم يوجد في الأمصار . أمّا قوله :
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ
أي : صارت محيطة بهم ، مشتملة عليهم ، كالقبّة المضروبة على جماعة . أو لزمتهم ضربة لازم ، كما يضرب الطين على الحائط ، فيلزمه . ولأجل هذا يكون اليهود أذلّاء صاغرين ، أهل مسكنة وخسّة . إمّا في الحقيقة ، وإمّا لتفاقرهم وتصاغرهم خيفة أن يضاعف عليهم الجزية . ومن العلماء من عدّ هذا من معجزات نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله ، لأنّه أخبر من ضرب الذلّة والمسكنة عليهم ، ووقع الأمر على طبق ما أخبره ، فكان هذا إخبار عن الغيب ، فيكون معجزا . وأمّا الاستدلال بهذه الآية على فضيلة الأغنياء على الفقراء ، - لأنّه تعالى ذمّهم على الفقر - فغير موجّه ، لأنّ المراد به خسّة الذات وفقر القلب وهو ان النفس . لأنّ كثيرا يوجد في اليهود مياسير ومتموّلين ، ولكن لا يوجد يهوديّ غنيّ القلب مترفّع النفس . قال النبي صلّى اللّه عليه وآله « 1 » : « الغنى غنى النفس » . وقوله
وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ
أي رجعوا منصرفين متحمّلين غضب اللّه ، قد نزل بهم العذاب ، ووجب عليهم الغضب ، وحلّ بهم السخط ، لكونهم أحقّاء بذلك ، فبدّل اللّه اليهود بالعزّ ذلّا ، وبالنعمة بؤسا ، وبالرضاء عنهم غضبا عليهم جزاء بما كفروا بآياته ، وقتلوا أنبيائه عليهم السّلام . وكفرهم بآيات اللّه عبارة عن جحودهم حجج اللّه وبيّناته وانكارهم لما رأوا من الدلائل الباهرة ، والشواهد الظاهرة . وقيل أراد ب « آيات اللّه » ما في التورية والإنجيل والقرآن .
هامش
( 1 ) الجامع الصغير ( 2 / 135 ) : ليس الغنى عن كثرة العرض ، ولكن الغنى غنى النفس .