يشاء . الذي يتذلّل له الصعاب ، ويتسبّب له الأسباب ، فلا عجب من ظهور أمور غريبة في بعض الأزمنة دالّة على بدائع صنعه وغرائب حكمته وصدق أنبيائه .
ومثل هذا الأمر الغريب بل أغرب وأعجب منه قد وقع من نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله في بعض الغزوات وقد ضاق بهم الماء ، فوضع يده في ميضاة ففاز الماء بين أصابعه حتّى استكفوا « 1 » .
وإنّما قلنا هذه المعجزة أعظم غرابة من معجزة موسى عليه السّلام لأنّ نبوع الماء من الحجر معهود في الجملة بخلاف نبوعه من الأصابع .
فمن أنكر أمثال ذلك من الملاحدة والدهريّة الذين ما عرفوا الصانع العالم بالكلّيات والجزئيّات
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
فالكلام معهم إنّما يكون في أصل اثبات الصانع وعلمه وقدرته شمول علمه لجميع المعلومات وسعة قدرته لجميع المقدورات ؛ ولا معنى للتشاغل معهم في الفروع بعد ما خالفوا في الأصول .
* * * بقي الكلام في إمكان هذا الأمر ، إذ المحال لا يكون مقدورا ، لأنّه لا شيئيّة ولا ذات له حتّى يكون مقدورا . فنقول :
هاهنا أربعة شقوق : أحدها وجود ذلك الماء العظيم مع عظمه في باطن الحجر والثاني وجوده فيه مع تداخل أجزائه بعضها في بعض . والثالث تكوّنه فيه شيئا فشيئا وخروجه 182 منه على التدريج . والرابع تكوّنه لا من أسباب طبيعيّة ومدد جسمانيّ ، بل من أسباب نفسانيّة وتصوّرات وهميّة . والشقّان الأوليان باطلان ، والأخيران جائزان .
أمّا بطلان الشقّ الأول - وهو كون ذلك الماء مع عظمه مستكنّا في ذلك الحجر ، ثم ظهر خارجا عنه - فلأنّ الظرف الصغير لا يحوي الجسم العظيم ،
هامش
( 1 ) راجع سنن الدارمي : 1 / 14 .