ولا يبعد كون كلّ جدول منقسما إلى جداول صغار حسب تعدّد الطوائف والفرق الداخلة تحت كلّ سبط . وكون كلّ إنسان مأمورا بأن لا يشرب إلّا من جدول معيّن ، لئلّا يقع بينهم التشاحّ والتنازع .
وأمّا إضافة المشرب إليهم فإنّه لمّا كان الماء مباح الأصل وقد عيّن لكلّ سبط وطائفة ما ظهر من الشقّ الذي يليه ، والجدول الذي يخصّه صار ذلك كالملك .
فصحّت الإضافة إليهم .
وقوله تعالى :
كُلُوا وَاشْرَبُوا
على إرادة القول . أي : قلنا لهم ، أو قال موسى لهم . وفي الكلام حذف . أي : « كلوا من المنّ والسلوى واشربوا من ماء العيون » . أو المراد : « كلوا ما يتكوّن من الماء من الأغذية ، وما ينبت من الأرض من جهة سقي الماء » فإنّه لما أنعم اللّه عليهم بإخراج العيون وجري المياه فقد أنعم عليهم بالمآكل الحاصلة منها .
وهذه الآية حجّة للمعتزلة على أنّ الرزق هو الحلال ، لأنّ الأمر بالأكل من الرزق وقع من اللّه . وهذا الأمر إن لم يكن للوجوب ، فلا أقلّ للإباحة . فلو تحقّق رزق حرام ، لزم كونه مباحا وحراما . وهذا غير جائز .
وقوله :
لا تَعْثَوْا
أي : لا تتمادوا ولا تعتدوا حال إفسادكم . لأنّ العثي ليس إلّا الفساد .
فصل في البحث العقليّ
لقائل أن يقول : كيف ينفجر ذلك الماء الكثير من ذلك الحجر الصغير ؟
والجواب : انّ اللّه قادر على جميع الممكنات ، وذلك من آيات اللّه الباهرة .
والأعاجيب الظاهرة ، الدالّة على صدق أنبيائه ورسله عليهم السّلام ، لكونه معجزة لهم لوقوعها عند سؤالهم . فيظهر منها أشدّ ظهور انّه هو المنشئ للأشياء ، الفاعل لما