في حقّ البشر أكثر فكان تقوى المتّقين منهم أكثر .
فإن قيل : لا نسلّم عدم الداعية فيهم أصلا ، لكن لا شهوة لهم إلى الأكل والشرب والمباشرة ، ولهم شهوة التقدّم والرياسة .
قلنا : هذا لا يضرّنا - لأنّ هذه الشهوة مشتركة بين الفريقين ، وقد حصلت للبشر أنواع أخر من الشهوات الصارفة عن الطاعات ، كشهوة البطن والفرج وغيرهما فيكون فضيلة التقوى في البشر أشدّ وأقوى .
السابع : قوله تعالى :
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
[ 4 / 172 ] وجه الاستدلال به إنّ قوله :
وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
خرج مخرج التأكيد للأوّل ، ومثل هذا التأكيد إنّما يكون بذكر الأفضل ، كما في قولك :
« هذه الخشبة لا يقدر على حملها العشرة ، ولا المائة » وكذا في كثير من الأمثلة .
ولقائل أن يقول : هذه الآية إن دلّت فإنّما تدلّ على فضل الملائكة المقرّبين على المسيح عليه السّلام ، لا على من هو أفضل منه - وهو نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله وموسى وإبراهيم عليهما السلام - وبالجملة ، فلو ثبت إن المسيح أفضل من كلّ الأنبياء عليهم السلام كان مقصودهم حاصلا ، وإلّا فلم يحصل .
ثم نقول : قوله :
وَلَا الْمَلائِكَةُ
ليس فيه إلّا واو العطف التي لمطلق الجمعيّة ، والأمثلة الجزئيّة غير مفيدة في الدعوى الكليّة ، على أنّها معارضة بأمثلة أخرى ، كقولك : « ما أعانني على هذا الأمر زيد ولا عمرو » فهذا لا يفيد أفضليّة عمرو من زيد .
سلّمنا إنّه يفيد التفاوت - أمّا إنّه من جميع الوجوه ، أو من جهة كثرة الثواب فغير مسلّم . والسند إنّ النصارى لمّا شاهدوا من المسيح إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص أخرجوه من العبوديّة إلى المعبوديّه بسبب هذا القدر من القدرة ، فقال تعالى : إنّ عيسى لا يستنكف بسبب هذه القدر [ من القدرة ] « 1 » عن عبوديتي ،
هامش
( 1 ) الإضافة من تفسير الفخر الرازي .