بل ولا الذين هم فوقه في القوّة والقدرة والبطش والاستيلاء على عالم السماوات والأرضين ، فعلى هذا الوجه دلّت الآية على أنّهم أفضل من البشر في القوّة والشدّة ، - لا في كثرة الثواب كما هو المقصود .
وهاهنا وجهان آخران في الجواب :
أحدهما : إن الآية دلّت على أنّ مجموع الملائكة أفضل من المسيح عليه السّلام - لا كلّ واحد .
وثانيهما : لعلّ خطاب اللّه كان مع أقوام اعتقدوا فضل الملك على البشر ، فأورد الكلام على حسب معتقدهم ، كما في قوله [ تعالى : ]
وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ
[ 30 / 27 ] الثامن : قوله تعالى حكاية عن إبليس :
ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ
[ 7 / 20 ] وهذا وإن كان قول إبليس - وهو ليس بحجّة - إلّا إن آدم وحوّاء عليهما السلام لو لم يكونا معتقدين « إن الملك أفضل من البشر » لم يكن إبليس يغترّهما بذلك ، ولا كانا اغترّا بذلك .
والجواب : أوّلا إنّ آدم عليه السّلام لم يكن نبيّا حينئذ ، فلم يثبت فضل الملائكة على الأنبياء من كونهم أنبياء .
وثانيا إن ما ذكر لا يدلّ على كون الملك أفضل عاقبة وأعظم مثوبة عند اللّه ، بل أنّ لهم ضروبا من الفضيلة غير ذلك ، ولا شبهة لاحد في أنّ لهم جهات فضل بالفعل على نوع البشر كالقوّة ، والقدرة ، والحسن ، والجمال ، والصفاء ، والنقاء من الكدورات المزاجيّة والأمراض والعاهات وغيرها ، فلأجلها رغب آدم عليه السّلام في أن يكون مثلهم في العاجل وإن كان أفضل منهم في الآجل .
التاسع : قوله تعالى :
قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ
[ 6 / 50 ] لم يرد به نفي الصورة ، إذ لا يفيد الغرض ، وإنّما نفى أن يكون له مثل مالهم من الصفات الكمالية .