ولقائل أن يقول على الوجهين : هب أنّ مشقتهم أكثر ، فلم قلتم : « فيكون ثوابهم أكثر ؟ » وذلك لأنّا نرى بعض المتصوّفة يتحمّلون من المشاقّ والمتاعب في طريق مجاهدتهم ما نقطع بأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لم يتحمّل شطر ذلك ، مع أنّا نقطع بأنّ درجتهم لا يبلغ جزءا من ألف جزء من درجة النبي صلّى اللّه عليه وآله . فعلم أنّ كثرة المشقة في العبادة لا تقتضي زيادة الثواب ، بل مبناها على الدواعي والقصود ، فلعلّ الفعل الواحد يأتي به المكلّفان على السواء ، والثواب لأحدهما أعظم بكثير من الآخر ، لأنّ إخلاص أحدهما أشدّ .
على أنّا لا نسلّم أن عبادات الملائكة أشقّ ، وما ذكرتم في بيانه « من أن السماوات كالبساتين النزهة ، والمواضع الطيبّة ، وأن أسباب التنعّم إذا كانت كثيرة صعب تركها اشتغالا بالعبادة » معارض بأن أسباب البلاء مجتمعة على البشر ، ومع ذلك لا يمنعهم ذلك ، ويرضون بقضاء اللّه ويواظبون على العبادة ، وهذا أدخل في استحقاق الأجر والثواب .
وأمّا قولهم : « المواظبة على نوع واحد شاقّة » معارض بأنّ الشيء إذا صار عادة صار كالأمر الطبيعي في نهاية السهولة ، وكان خلافه صعبا ، ولهذا قيل : « العادة كالطبيعة الثانية » ولذلك
نهى النبي صلّى اللّه عليه وآله « 1 » عن الوصال في الصوم ، وقال أفضل الصوم صوم داود عليه السّلام ، وهو أن يصوم يوما ويفطر يوما .
أقول : العبادة والتسبيح منهم كالغذاء والتنفّس منا ليس يعود عليهم الأجل ذلك تعب ومشقّة .
الثالث : قالوا : عبادات الملائكة أدوم ، فكانت أفضل : أمّا الأوّل فلقوله :
يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ
[ 21 / 20 ] وأمّا الثاني : فلأنّ الأدوم أشقّ ، والأشقّ أفضل - كما مرّ تقريره - .
هامش
( 1 ) راجع وسائل الشيعة : كتاب الصوم ، باب تحريم صوم الوصال : 7 / 387 .