تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
الثاني قالوا : عبادات الملائكة أشقّ من عبادات البشر ، فيكونون أكثر ثوابا من البشر . أمّا الصغرى فلوجوه : أحدها أنّ ميلهم إلى التمرّد أشدّ ، لأنّ العبد السليم من الآفات ، المستغني عن طلب الحاجات ، يكون أميل إلى التنعم والالتذاذ من المنغمر في الحاجات ، فيكون كالمضطرّ إلى عبادة مولاه والالتجاء إليه ولهذا قال تعالى :
فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ
[ 29 / 65 ] . ومعلوم إن الملائكة سكّان السماوات ، وهي جنان وبساتين ومواضع نزهة وهم آمنون من الفقر والحرص ، ثمّ إنّهم مع ذلك أبدا مذ خلقوا مشغولون بالعبادة خاشعون وجلون ؛ كأنّهم مسجونون ، لا يلتفتون إلى نعيم الجنان واللذات ، بل مقبلون على الطاعات الشاقّة ، موصوفون بالخوف الشديد ، والفزع العظيم ، وكأنّه لا يقدر أحد من بني آدم أن يبقى كذلك يوما واحدا ، ويؤيّده قصّة آدم وحواء عليهما السلام ، وتناولهما لما نهيا عن أكله . وأما الكبرى فلما ورد في الحديث عنه صلّى اللّه عليه وآله « 1 » : « أفضل الأعمال أحمزها » - أي أشقّها . وثانيها إنّ انتقال المكلّف من نوع عبادة إلى نوع آخر أروح له وأسهل عليه من الإدامة على عمل واحد ، ولهذا السبب جعل التصانيف مقسومة [ ب ] الأبواب والفصول ، وجعل كتاب اللّه مقسوم الأبواب بالسور والأعشار والأخماس « 2 » ، ثمّ إن الملائكة كلّ منهم مواظب على عمل واحد لا يعدل إلى غيره - كما مرّ - فعباداتهم في نهاية المشقّة ، فيكون ثوابهم أفضل ، لما مرّ .
هامش
( 1 ) النهاية لابن الأثير ( حمز : 1 / 440 ) : « في حديث ابن عباس : سئل رسول اللّه ( ص ) : أي الأعمال أفضل ؟ فقال : أحمزها . ( 2 ) تفسير الفخر الرازي : وجعل كتاب اللّه مقسوما بالسور والأحزاب والأعشار والأخماس .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 38 | محمد خواجوى / صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )