تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
إلى مباديها القريبة واقعة باختياره على سبيل الاحتمال والإمكان . ومن جهة نسبتها إلى السبب الأوّل ومباديها البعيدة - من قضاء اللَّه وقدره وعلمه وقدرته - واقعة من العبد على سبيل البتّ والوجوب . ففعل العبد من جهة وقوعه باختياره يحكم عليه ب « القدر والتفويض » - أي : بكونه واقعا بقدرتنا ، مفوّضة إلينا - ومن جهة وقوعه بمشيّة اللَّه وقضائه وقدره ، والوسائط المترتّبة المستندة - على ترتيبها في سلسلة العلل والمعلولات - إلى اللَّه ، يحكم عليه ب « الجبر » كما سبق . فلفظة « لعلّ » كلّما جاءت في القرآن فهي بحسب الاعتبار الأوّل ، وهو وقوع الأمور من أسبابها القريبة .

فصل [ الفرق بين الحمد والشكر ]

اعلم إنّ العلماء فرّقوا بين الحمد والشكر ومعناهما وحكمهما ، وملخّص الفرق المستفاد من أقوالهم : انّ الحمد من أشباه الأذكار كالتسبيح والتهليل ، فيكون من المساعي الظاهرة ، والشكر من أشباه النيّات والأخلاق ، كالصبر والتفويض والرضا . فيكون من المساعي الباطنة ، لأنّ الشكر يقابل الكفران . والحمد يقابل اللوم . ولأنّ الحمد أعمّ وأكثر ، والشكر أخصّ وأقل . كما قال تعالى :
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
[ 34 / 13 ] فثبت انّهما معنيان متميّزان . ثمّ الحمد - كما هو المشهور من كلام الجمهور - هو الثناء على أحد بالفعل الجميل . وأمّا الشكر فقد تكلّموا في معناه وأكثروا القول فيه : فعن ابن عباس انّه قال : « هو الطاعة بجميع الجوارح لربّ العالمين في السرّ والعلانية » . وهذا كما اشتهر على ألسنة الجمهور : « انّه عبارة عن صرف العبد جميع ما أنعمه اللَّه فيما خلق لأجله » وإلى نحوه ذهب بعض المشايخ ، فقال :