كانوا يخدمونه ، وصنف يحرثون له ، وصنف يزرعون له ، ومن لا يصلح منهم للعمل ضربوا عليهم الجزية . وكانوا مع ذلك يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم ويدل عليه قوله تعالى في سورة إبراهيم
يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ
[ 14 / 6 ] فعطفه على ذلك دلالة على التغاير . والمعنى :
« يقتلون أبناءكم ويستبقون بناتكم » أي يدعونهن أحياء ليستعبدن وينكحونهن على وجه الاسترقاق - وهذا أشدّ من الذبح .
وإنّما لم يقل : « بناتكم » لأنّه سمّاهن بالاسم الذي يؤول حالهن إليه .
وقيل : إنّما قال
نِساؤُكُمْ
على التغليب ، فإنّهم كانوا يستبقون الصغار والكبار منهن .
وقرئ يذبحون - بالتخفيف - .
وقيل : أراد بقوله :
يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ
الرجال البالغين دون الأطفال ، ليكون في مقابلة النساء لأنّهن البالغات وذلك لأنّهم الذين يخاف منهم الخروج والتجمع دون الأطفال .
وأكثر المفسرين على أن المراد بالآية الأطفال - دون الرجال - وهو أولى بوجوه من التأييد : لحمل اللفظ على ظاهره . وللشهرة . ولتعذّر قتل جميع الرجال على كثرتهم ، ولحاجة فرعون وقومه إليهم في صنائعهم الشاقّة الصعبة - قال السدّي :
كان قد جعلهم في الأعمال القذرة الصعبة ، ككنس المبرز ، وعمل الطين ، ونحت الجبال - ولأنّه لو كان كذلك لم يكن لالقاء موسى عليه السّلام في التابوت حال صغره معنى .
وأمّا وجه مقابلة الأبناء مع النساء فقد مرّت الإشارة إليه ، وهي إنّ البنات لمّا لم يقتلن ووصلن إلى حدّ النساء صحّ عليهنّ إطلاق النساء حقيقة ومجازا باعتبار ما يؤلن . وأمّا البنين فلما قتلوا حال الطفولية ولم يبلغوا لم يصح اطلاق الرجال عليهم - لا في الحال ولا بحسب المآل .