وبقوله تعالى حكاية عن الخليل عليه السّلام :
فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
[ 14 / 36 ] بمثل البيان المذكور .
ومما يؤكّد دلالة هاتين الآيتين على هذا المطلب ما
روي إنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله تلى قول إبراهيم :
وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
وقول عيسى :
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ
ثمّ رفع يديه وقال : « اللهم - امّتي ، امتّي » وبكى . فقال اللّه :
« يا جبرئيل - اذهب إلى محمّد - وربّك أعلم - فسله : « ما يبكيك ؟ » فأتاه جبرئيل عليه السّلام ، فسئله . فأخبره رسول [ اللّه ] صلّى اللّه عليه وآله - قال : - فقال اللّه : « يا جبرئيل - اذهب إلى محمّد ، فقل : إنّا سنرضيك في امّتك ، ولا نسؤك » - رواه مسلم في صحيحه « 1 » .
ومما يدلّ على ذلك قوله تعالى :
يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً * لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً
[ 19 / 85 - 87 ] أي المجرمون لا يستحقّون أن يشفع لهم إلّا إذا كانوا قد اتّخذوا عند الرحمن عهدا ، فكلّ من اتّخذ عهدا عنده وجب دخوله في الآية ، وصاحب الكبيرة اتّخذ عند الرحمن عهد التوحيد والإسلام ، فوجب أن يكون داخلا . وأمّا اليهود فنترك العمل بها في حقّه لضرورة الإجماع .
ومن ذلك قوله تعالى في صفة الملائكة :
لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى
[ 21 / 28 ] بيانه إنّ صاحب الكبيرة مرتضى عند اللّه من حيث إيمانه وتوحيده ، وكلّ من هو مرتضى عنده بحسب هذا الوصف صدق عليه إنّه مرتضى عنده ، لأنّ مفهوم المطلق جزء مفهوم المقيّد ، فمتى صدق المقيّد صدق المطلق ، فثبت انّ المؤمن الفاسق مرتضى عند اللّه ، فهو داخل في شفاعة الملائكة ، ومن دخل في شفاعتهم دخل في شفاعة النبي صلّى اللّه عليه وآله ، إذ لا قائل بالفرق .
لا يقال : إنّ الفاسق ليس بمرتضى من حيث فسقه ، وإذا لم يكن مرتضى من
هامش
( 1 ) مسلم : كتاب الايمان : 3 / 78 .