الوجود نزل إلى جوهر مادّي ينفعل عن كلّ مؤثّر يصادفه لكونه محض القوّة والاستعداد ، ومنه تنشأ الحركات والاستحالات ، وهي حالة بين صرافة القوّة ومحوضة [ الفعل ] .
فمبدأ الحوادث في هذا العالم هي الهيولى والحركة ، فإنّ الهيولى بأوضاعها المستفادة من الحركة تحدث فيها من المبدإ الجواد والوسائط الوجوديّة موجودات حادثة في أزمنة معيّنة ، وتحصل منها سلسلة عرضيّة من المتجدّدات الزمانيّة والمكانيّة وأمّا الدار الآخرة فهي أقرب إلى اللّه من هذه الدار ، وما فيها من الموجودات - وإن كان جسمانيّة الحقيقة - لكنّها أشبه بالصورة بحسب وجودها منها بالمادّة ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :
وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً
[ 19 / 95 ] وقوله :
وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً
[ 19 / 80 ] لأنّ ملائكة الموت قد توفّتها ونزعت أرواحها وصورها عن هذه القوالب الماديّة .
ولهذه الأرواح في النشأة [ الثانية ] قوالب مناسبة لأرواحها في الدوام والتجدّد ولا يؤثّر فيها تأثير غريب . بل أرواح ذلك العالم يؤثّر في أشباحها بالايلام والتنعيم بحسب ما كسبت وحصلت في الدنيا لنفوسها من صور الأخلاق وهيئات الملكات الحسنة النور [ ا ] نيّة ، أو القبيحة الظلمانيّة .
فكل ما يصل من اللذّات والآلام إلى كلّ أحد ، فهو إنّما يصل إليه من نفسه بوسيلة ذاته من جهة العلل الذاتيّة ، لا من جهة الأسباب العرضيّة والعلل الاتّفاقيّة الكونيّة ، لكونها منقطعة مسلوبة يوم القيامة . قال تعالى :
أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [ وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ ] * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ
[ 2 / 165 - 166 ] وقوله :
فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ
[ 23 / 101 ] .
وقد تكرّر وتكثّر في القرآن ذكر هذا المعنى والتنبيه عليه ، كقوله تعالى :