الأوضاع والأمكنة ، فيؤثّر فيهم هذه الأسباب المعدّة ، ولهم أيضا جهة القبول والانفعال من جهة المادّة المنفعلة التي يؤثّر فيها كلّ شيء .
وأمّا الآخرة ففيها هذه الأسباب والأنساب منقطعة ، والذي يكون هناك معه المهمّات ويطلب منه الاقتراحات - أعني الباري جلّ ذكره - لا يؤثّر فيه شيء ولا ينفعل عن شيء ، لأنّه القاهر على كلّ شيء . فالمؤثّر هناك في شيء منحصر في سبب صوريّ للشيء أو فاعليّ له أو غائيّ له .
فالصورة كالايمان والكفر والخلق الحسن والخلق الردي . وأمّا الفاعل فهو اللّه بلا واسطة أو بواسطة بعض عباده المقرّبين ، الذين هم بأمره يفعلون ، لأنّهم من عالم الأمر ويفعلون ما يؤمرون . وأمّا الغاية فهو اللّه بالحقيقة أو ما ينعكس من نور جماله لمن يعجز عن إدراكه ، والعلّة الصورية معلولة للفاعل والغاية ، لأنّها العلّة المباشرة ، وهما علّتان مفارقتان .
فجميع اللذات الروحانيّة - كلقاء اللّه ومجاورة مقرّبيه - والجسمانيّة - كالجنّة والحور والقصور والأنهار والأشجار وغيرها - متسبّبة عن اللّه تعالى بواسطة صورة الايمان والإحسان . وجميع الآلام الروحانيّة والجسمانيّة - كالاحتجاب عن الربّ تعالى وملكوته ، والتعذّب بالجحيم والزقّوم والعقارب والحيّات وغيرها - متسبّبة عنها بواسطة صورة الكفر والإساءة .
فلا سبب ولا نسب هناك إلّا ما ذكرناه ، ولا وسيلة هناك لأحد عنده ولا شفيع ولا ظهير ولا معاون ولا نصير ، لعدم انفعاله وتأثّره عن الغير . ولا مكافي له ولا ممانع ولا مدافع ولا منتقم منه ، إذ لا مساوي له في القوّة ، إذ لا واجب الوجود غيره ، والوجود يفيض منه ويترشّح على غيره فكيف يساويه في القوّة أو يزيد عليه حتّى يدافعه أو ينتقم منه ، بل هو الغالب على أمره ، والقاهر فوق عباده .
وبالجملة - لا وسيلة لأحد من أحد في أمر ولا رابطة بين أحد وأحد إلّا بالروابط
تفسير القرآن الكريم — صفحة 318
مساهمون: محمد خواجوى
ص٣١٨