عنه ، بدأت بما في نفوسها الأبيّة من مقتضى نفوسها الحميّة ، وذبّت عنه كما يذبّ الوالد عن ولده بغاية قوّته . فإن رأى من لا طاقة له بممانعته عاد بوجوه الضراعة وصنوف الشفاعة فحاول بالملاينة ما قصر عنه بالمخاشنة ، فإن لم يغن عنه الحالتان من الخشونة والمعونة لم يبق بعده إلّا فداء الشيء بمثله من جنسه أو ببدله من غير جنسه . فإن لم تغن هذه الثلاثة تعلّل بما يرجوه من نصر الناصرين أو انتقام المنتقمين ، فأخبر تعالى إنّه لا يغني في الآخرة شيء من هذه الأمور عن المجرمين .
ففي هذه الآية أعظم تحذير للإنسان عن المعاصي ، وأقوى ترغيب له في التوبة والتلافي ، لأنّه إذا تصوّر انّه ليس بعد الموت استدراك ولا شفاعة ولا نصرة ولا فدية علم إنّه لا خلاص له إلا بالطاعة .
والآية وإن كانت في بني إسرائيل فهي بحسب المعنى تعمّ المكلّفين كلّهم ، لأنّ الأوصاف المذكورة فيها هي التي يوصف بها اليوم ، فيعمّ كلّ من يحضر في ذلك اليوم .
فصل مشرقيّ
واعلم إنّ البيان الكشفي للسبب اللمّي والسرّ العقلي في إثبات هذه الأوصاف والأحكام ليوم الآخرة انّ المؤثّر على قسمين ، الأوّل أن يكون تأثيره بمشاركة الوضع ومصادفة المادّة بعضها بعضا . والثاني أن لا يكون تأثيره كذلك ، بل بمجرّد الذات ، والّذي يؤثّر في الشيء بالذات - لا بمشاركة الموادّ والأوضاع - إمّا السبب الفاعلي أو الغائي أو الصوري لأنه لا تأثير للسبب الماديّ بالاقتضاء والإيجاب ، إذ ليس شأنها إلّا القبول والانفعال .
إذا تقرّر هذا فجميع هذه الأمور المعدودة في الآية - من المكافأة ، والشفاعة ، والفدية ، والنصرة - هي من التأثيرات التي وقعت بين الأشخاص المتشاركين في