من الناس » والمراد منه الكثرة - لا الكلّ .
واعترض عليه في التفسير الكبير « 1 » بأنّ هذا ضعيف ، لأنّ لفظ « العالم » مشتقّ من العلم . وهو الدليل . فكلّ ما كان دليلا على اللّه أو كان عالما فكان من العالم .
وهذا تحقيق قول المتكلمين : « إنّ العالم كلّ موجود سوى اللّه » وعلى هذا لا يمكن تخصيص لفظ [ العالم ] ببعض المحدثات .
أقول : وهذا غير وارد ، إذ ليس مراد الزمخشري أنّ مدلول لفظ « العالم » حقيقة مختصّ ببعض المحدثات ، بل أنّه أريد به كثير من العالم مجازا ، أو بحسب العرف الطاري .
وثانيها ما قاله ابن عباس « 2 » : انّه أراد به عالمي زمانهم ، لأنّ أمّتنا أفضل الأمم بالإجماع ، كما انّ نبيّنا أفضل الأنبياء . وبدليل قوله [ تعالى ] :
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
[ 3 / 110 ] .
وثالثها أنّ المراد تفضيلهم في أشياء مخصوصة ، وهو إنزال المنّ والسلوى وما أرسل اللّه فيهم من الرسل ، وأنزل عليهم من الكتب - إلى غير ذلك من النعم العظيمة - كتفريق فرعون ، والآيات الكثيرة التي يسهل معها الاستدلال ، ويهون بها المشاقّ . وتفضيل اللّه إيّاهم في أشياء مخصوصة لا يوجب أن يكونوا أفضل الناس على الإطلاق .
وهاهنا وجه آخر لا يبعد القول به : وهو إنّ هذا التفضيل من جملة النعم العامّة عليهم وعلى غيرهم من أفراد نوعهم والتي جاء من بعد من النعم الخاصّة لهم ، فيكون إشارة إلى فضيلة البشريّة كما في قوله تعالى :
وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي : 1 / 500 .
( 2 ) مجمع البيان : 1 / 102 .