تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
وذلك تارة في القابل مثل آخر الحركات التي تصدر عن فكر أو طبيعة كصورة الكرسي في الخشب - وتارة في شيء ثالث - كمن يفعل فعلا ليرضى به فلان ، فيكون رضى فلان غاية خارجة عن الفاعل والقابل » والتحقيق أن هذا التقسيم إنّما يجري فيما هو غاية بالعرض ، وأمّا الغاية بالذات فلا تكون خارجة عن ذات الفاعل أبدا . فإن من فعل فعلا ليرضى به فلان إنّما غرضه الأصلي حصول راحة أو لذّة تعود إلى نفسه ، وإلّا لما فعله . فالغاية الذاتيّة بالحقيقة ما اتّصل بالفاعل أو وصل اليه الفاعل ، فإنّ محصّل صورة الكرسي في الخشب بعمل وقاصد رضاء فلان بفعل ، ليس غرضه إلّا طلب أولويّة تعود إلى نفسه . وكذا الباني في بناء بيت للاستقرار أو للأجرة لا يبنيه إلّا لحصول غاية أخيرة ، وهي الأولوية العائدة إلى نفسه . وممّا يجب أن تعلم إنّ في الغاية أشياء ثلاثة : أحدها الغاية بمعنى ما يجعل الفاعل فاعله ويسمّى « علّة غائيّة » وهي علّة فاعليّة لفاعليّة الفاعل . ولا شبهة في تقدّمه على الفعل - بل على الفاعل من حيث هو فاعل - وهذا في الفاعل الأوّل - أي صانع العالم - عين ذاته ، فإنّ ذاته بعينه فاعل للأشياء وعلّة غائيّة ، لأجل علمه بوجوه الخير ، الذي هو الداعي لإيجاد الخير في العالم ، وذلك الداعي هو عين ذاته . وثانيها الغاية بمعنى ما يترتّب على الفعل وينتهى إليه الفعل ترتّبا وانتهاء ذاتيّا - كصورة الخشب والسيف التي انتهت إليه حركة النجّار والسيّاف . وثالثها الغاية بمعنى الضروري اللازم لما هو الغاية الأخيرة من غير أن يتوجّه إليه الفعل والحركة ، كالدكنة « 1 » الحاصلة في السيف مثلا . والذبول والموت من
هامش
( 1 ) الدكنة - بضم الدال - لون يضرب إلى السواد .