يرضى بالقعود ولا يجتهد في السعي إلى ذكر اللّه ودرك ما عند اللّه .
فإن طلبت واجتهدت لا تلبث زمانا طويلا إلّا ويأتيك بارقة نورانيّة ، ثمّ تتوالى عليك حتّى يصير وروده لك ملكة ، فتعلم إنّ فيك نورا شارقا لذيذا تعلم بإشراقه إنّ جميع الأشياء متوجّهة نحو الأوّل تعالى توجّها جبليا ، سالكة إليه سلوكا جوهرّيا . ولها رجوع إليه تعالى كما تكرّر ذكره في القرآن وساعده البرهان .
وأنت قبل أن يحصل لك الارتقاء إلى هذا المقام يجب أن تعتقد انّ جميع الموجودات بحسب مالها من الكمالات - عقليّة كانت أو نفسانيّة أو طبيعية - طالبة لكمالاتها الثانية ، ومتشبّهة بعللها ومباديها في تحصيل ذلك الكمال بحسب ما يتصوّر في حقّ كلّ منها ويليق به ، وانّ لكلّ نوع من الأنواع المفارقة والأثيريّة والعنصريّة كمال مّا وعشق إلى ذلك الكمال ، وإن تصوّر فقد ذلك الكمال فشوق إراديّ لما له حيوة ظاهرة ، أو طبيعيّ لما ليس له حيوة ظاهرة والكلّ عند أهل اللّه حيوان ، فاهم ، عاقل . ولولا عشق العالي لانطمس السافل .
* * * وإذا ثبت هذا ، وثبت إنّ لكل موجود غاية في وجوده كما إنّ له فاعلا ، وإنّ لكل فاعل في فعله غرض ولفعله غاية ، ولو كان لكلّ غاية غاية من غير أن تنتهي إلى غاية الغايات لتسلسل الأمر إلى لا نهاية - وهو محال - ويلزم أيضا بطلان الغاية بالكلّية كما لا يخفى - فلا بدّ أن يكون لجميع الموجودات غاية أخيرة تنتهي إليها الغايات بأسرها ، ولا بدّ أن يكون عين المبدإ الأوّل للكلّ وإلّا لزم تعدّد الباري ، فإنّ الغاية الذاتيّة للشيء يجب أن تكون دائما مقدّما على وجوده ، وهي نفس ما هو الفاعل بالحقيقة .
وأمّا التقسيم الذي وقع في كلام الحكماء « وهو إنّ ما لأجله الشيء قد يكون في بعض الأمور في نفس الفاعل ، كالفرح والغلبة وقد يكون في بعضها في غير الفاعل
تفسير القرآن الكريم — صفحة 299
مساهمون: محمد خواجوى
ص٢٩٩