فبطل ما حكاه قوم عن أنباذقلس أو ذيمقراطيس من القول بالاتّفاق ، وكذا ما قالت الثنوية القائلة بوجود مبدأ آخر للشرور بالذات ، وكذا ما زعمته 99 أقوام من أنّ الباري يفعل الأشياء ويتركها من غير نظام وغاية وداع . فانّ ما زعموه يجري مجرى القول بالاتّفاق ، أو القدر الذي قالته الثنوية - تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا . 100 وقد ذكر الحكماء في كتبهم إبطال هذه المذاهب الخبيثة ببيانات ودلائل موضحة ، من جملة تلك الدلائل انّ البقعة الواحدة إذا سقط فيها حبّة برّ ، وحبّة شعير ، أنبت البرّ برّا ، والشعير شعيرا ألبتّة .
ومنها إنّ الغايات الصادرة عن الطبائع الأصليّة في حال ما يكون غير معوّقة كلّها كمالات . وإنّها إذا تأدّت إلى أمور ضارّة كان ذلك في الأقل . فلهذا ما يقال :
لم لا ينبت الشعير برّا ؟ ولم لا يتولّد شجرة مركّبة من تين وزيتون ؟ ولم لم يبق الأنواع محفوظة على الأكثر .
ومنها إنّا إذا أحسسنا بقصور من الطبيعة أعينها [ ظ : نعينها ] بالصناعة . وإذا طرأ وهن أو آفة أو مرض يعوق الطبيعة عن فعلها . نعالجها بالدواء ، كما يفعله الطبيب معتقدا إنّه إذا زال العارض وصلح القابل واشتدّت القوّة ، توجّهت الطبيعة إلى فعلها من الصحّة ، وليس للرويّة والفكر مدخل في حصول الغاية .
فليس إذا عدمت الرويّة وجب أن لا يكون الطبيعة لفعلها غاية . فإنّ الروية لا تجعل الفعل ذا غاية ، بل لها مدخل في تعيين الفعل الذي يختاره من بين أفعال يمكن صدورها عنا لكل منها غاية تخصّه ، فإنّ لكلّ فعل يلزمه غاية بالضرورة لا بفعل فاعل ، وليس الفاعل يجعل الفعل ذا غاية ، بل الغاية ممّا يجعل الفاعل ذا فعل يفعله لأجل تلك الغاية .
ولو كانت النفس مسلّمة من المعارضات لكانت يصدر عنها فعل متشابه على نهج واحد طلبا لما هو كمال لها ، وحال السماويّات وملكوتها هكذا ، لكونها سليمة عن
تفسير القرآن الكريم — صفحة 302
مساهمون: محمد خواجوى
ص٣٠٢