واحفظ نفسي أن لا أجهل عليه » .
فبلغ ذلك أحمد بن حنبل ، فجاء إليه فقال : « سبحان اللّه ما أعقله » . فلمّا دخلوا عليه قالوا : يا أبا عبد الرحمن - ما السلامة من الدنيا ؟ » .
قال حاتم : يا أبا عبد اللّه - لا تسلم من الدنيا حتى يكون معك أربع خصال :
أن تغفر للقوم جهلهم ، وتمنع جهلك عنهم ، وتبذل لهم شيئك ، وتكون من شيئهم آيسا . فإذا كان هذا سلمت . ثمّ سار إلى المدينة « 1 » .
* * * قال اللّه تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ 35 / 28 ] ذكر بكلمة « إنّما » فتنفي العلم عمّن لا يخشى اللّه ، فلاح لعلماء الآخرة إن الطريق مسدود إلى أنصبة المعارف ومقامات القرب إلا بالزهد والتقوى . . . فبصفاء التقوى وكمال الزهد يصير العبد راسخا في العلم .
قال الواسطي : « الراسخون في العلم هم الذين رسخوا بأرواحهم في غيب الغيب 86 ، وسرّ السر . فعرّفهم ما عرّفهم ، وخاضوا في بحر العلم بالفهم 87 لطلب الزيادات فانكشف لهم من مدخور الخزائن . . . فنطقوا بالحكم » . . .
. . . وقال الخزّاز : « هم الذين كملوا في جميع العلوم ، وعرفوها ، واطّلعوا على هم الخلائق أجمعين » . وهذا القول من أبي سعيد لا يعني به 88 ان الراسخ في العلم ينبغي أن يقف على جزئيات العلوم ويكمل فيها . . . بل المراد إنّ المتّقي حقّ التقوى والخشية من اللّه ، صفا باطنه وانجلى مرآة قلبه ، ووقعت له محاذاة بشيء من اللوح المحفوظ . فأدرك بصفاء الباطن أمهات العلوم وأصولها ، فيعلم منتهى همم العلماء في علومهم وغاية أقدامهم فيها . . . والعلوم الجزئية 89 متجزيّة في النفوس بالتعلّم
هامش
( 1 ) جاء بقية هذه الحكاية في حلية الأولياء : 8 / 82 .