بكيفيّة حلاوة السكّر - لا يحصل بالوصف ، فمن ذاقه عرفه .
وينبئك عن شرف علم الصوفية وزهّاد العلماء إنّ العلوم كلّها لا يتعذّر تحصيلها مع محبّة الدنيا والإخلال بحقائق التقوى ، وربما كان محبّة الدنيا عونا على اكتسابها لأنّ الاشتغال بها شاقّ على النفوس ، فجبّلت النفوس على محبّة الجاه والرفعة ، حتّى إذا استشعرت حصول ذلك بحصول العلم أجابت إلى تحملّ الكلف ، وسهر الليل والصبر على الغربة والأسفار ، وتعذّر الملاذّ والشهوات . وعلوم هؤلاء القوم لا تحصل مع محبّة الدنيا ، ولا تنكشف إلّا بمجانبة الهوى ، ولا تتدرس إلّا في مدرسة التقوى .
قال اللّه تعالى :
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ
[ 2 / 282 ] جعل العلم ميراث التقوى وغير علوم هؤلاء القوم ميسّر من غير ذلك بلا شك .
فعلم فضل علماء الآخرة ، حيث لم يكشف النقاب إلا لأولي الألباب . وأولو الألباب حقيقة هم الزاهدون في الدنيا . قال بعض الفقهاء : « إذا أوصى رجل بماله لأعقل الناس يصرف إلى الزّهاد ، لأنّهم أعقل الخلق » .
قال سهل بن عبد اللّه التستري : للعقل ألف اسم [ ولكلّ اسم منه ألف اسم ] وأوّل كلّ اسم منه ترك الدنيا » .
* * * ثمّ ذكر حكاية لطيفه ، قال « 1 » : « حدّثنا فلان ، عن فلان - وذكر السند إلى أبي عبد اللّه الخوّاص ، وكان من أصحاب حاتم الأصمّ - قال : دخلت معه الري ، ومعه ثلاثمائة وعشرون رجلا ، يريدون الحجّ ، وعليهم لباس الصوف ، ليس معهم جراب ولا طعام ، فدخلنا الري ليلة على رجل من التجّار متنسّك يحب المتقشّفين فأضافنا تلك الليلة ، فلمّا كان من الغد قال لحاتم : يا أبا عبد الرحمن - لك
هامش
( 1 ) عوارف المعارف : 55 . وجاء أيضا في حلية الأولياء : 8 / 80 بفروق في اللفظ .