و
قد ورد في الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله « 1 » : « إنّ الشيطان ربما سبقكم بالعلم » أقلنا : « يا رسول اللّه - كيف يسبقنا بالعلم ؟ » قال : « يقول : اطلب العلم ولا تعمل ، حتّى تعلم . فلا يزال للعلم قائلا وللعمل مسوّفا حتى يموت وما عمل » .
فصل [ علماء الكشف وعلومهم ]
واعلم إنّ هذه الآفات ونظائرها إنّما تعتري لعلماء اللسان وأرباب المناظرات والبحوث ، وأصحاب المنقولات وطلّاب الفتاوى والحكومات .
وأمّا علماء العلوم الكشفيّة والمعارف الإلهيّة ، فعلومهم يؤدّي إلى الأحوال ، وأحوالهم مستتبع الآداب والأعمال ، لأنّهم تأدّبوا بين يدي اللّه بآداب الروحانيين وتخلّقوا بأخلاق الصديقين . فلذلك كان العلم المجبول في قلوبهم منكشفا عليهم ، فحصروا نفوسهم عن تقاضي جبلّاتها ، وقمعوها عن هواها بصريح العلم في كلّ قول وفعل . لا يصحّ ذلك إلّا لمن لطف سرّه وذكا روحه ، وسلك به إلى الحضور بين يدي اللّه .
قال بعض أصحاب المعارف في العوارف « 2 » : « إنّ نفوس العلماء الزاهدين بعد الأخذ عمّا لا بدّ لهم منه في أصل الدين وأساسه من الشرع ، أقبلوا على اللّه وانقطعوا إليه ، وخلصت أرواحهم إلى مقام القرب منه ، فأفاضت أرواحهم على قلوبهم أنوارا وتهيّأت بها قلوبهم لإدراك العلوم .
فأرواحهم ارتفعت عن حدّ إدراك العلوم الجزئيّة بعكوفها على العالم الأزلي ،
هامش
( 1 ) جاء في إحياء علوم الدين : 1 / 64 . وفيه « يسوّفكم » بدل : « يسبقكم » .
( 2 ) عوارف المعارف للسهروردي : الباب الثالث ص 56 من الطبعة الملحقة باحياء علوم الدين . وفيه فروق يسيرة .